عبدالسلام الدباء* - لم نكن نتخيل يوماً أن يأتي زمن لا نحتاج فيه إلى الأكياس لوضع أقراص الروتي، لأن القرص الواحد قد صار صغيراً بما يكفي لتدسّه في جيبك !! هذه ليست نكتة عابرة في المجالس باليمن، بل مفارقة موجعة تختصر حكاية بلدٍ يتقلص فيه كل شيء، حتى الرغيف الذي كان يوماً رمزاً للشبع وستر الحال.
لقد اصبحنا اليوم نعيش في مرحلة بات فيها الروتي، ومعه الكدم الذي ألفته موائد اليمنيين، مادة للسخرية السوداء.. رغيفٌ يخرج من الفرن ساخناً، تفوح منه رائحة القمح، لكنك ما إن تقع عيناك عليه حتى تتساءل، أهذا رغيف خبز أم عينة تجريبية لمنتج لم يكتمل تصنيعه بعد ؟! فهل سيأتي اليوم الذي نحصل فيه على الخبز في شرائط تغليف مثل أقراص البندول، فنبتلع أحزاننا مع كل قرص، ونشكر الله على نعمة المضغ!
ربما وراء هذه السخرية وجعاً لا يضحك.. فالرغيف ليس تفصيلاً هامشياً في حياة أسرة يمنية، ولا سلعة تكميلية يمكن الاستغناء عنها حين ترتفع الأسعار.. إنه أساس المائدة، ورفيق الفقر، والملاذ الأخير حين تضيق الخيارات وتفرغ الجيوب.. وحين يرتفع ثمنه ويتراجع حجمه، فإن المسألة لا تتعلق بخبزٍ أصغر فحسب، بل بلقمة تنتزع من أفواه أناس أنهكتهم الحرب، وأثقلتهم الأزمات، وأصبحوا يحسبون نفقاتهم كما يحسب الغريق أنفاسه الأخيرة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي تغير؟ وهل كانت الزيادة المحدودة في أسعار المشتقات النفطية الأخيرة كافية لتبرير هذا العناء كله؟ قد تكون كلفة الوقود والنقل والطاقة من العوامل المؤثرة في إنتاج الخبز، لكن هل تحولت هذه الزيادة إلى مبرر مفتوح لرفع الأسعار وتقليص الأوزان في كل شيء، أم أن غياب الرقابة والمحاسبة، قد جعلت المواطن الحلقة الأضعف في معادلة لا يعرف أطرافها ولا يملك الاعتراض عليها؟
لسنا ضد التاجر الذي يريد أن يستمر في عمله، ولا ضد المخبز الذي يواجه ارتفاع تكاليف الإنتاج.. ولكن العدالة تقتضي أن تكون الزيادة مبررة وواضحة، وأن يبقى وزن الرغيف وسعره معلومين، بعيداً عن التلاعب الذي يجعل المستهلك يدفع أكثر مقابل كمية أقل.. أما أن يصبح المواطن مطالباً بالتكيف مع كل عبث، فهذه ليست مرونة اقتصادية، بل استنزاف يومي لكرامته وقدرته على الاحتمال.
وأين الرقابة؟ أين السلطات المحلية؟ وأين الدولة التي يفترض أن تحمي الناس من جشع السوق، وتضمن الحد الأدنى من العدالة في أسعار السلع الأساسية؟ هل تنتظر الجهات المعنية أن يصل الرغيف إلى حجم حبة البندول حتى تعقد اجتماعاً طارئاً لمناقشة أزمة الخبز؟ أم أن عليها أن تتحرك قبل أن يصبح الجوع خبراً عادياً، ويغدو العجز عن شراء الطعام جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية؟
يا جماعه، ليست المشكلة أن يصغر الرغيف وحده؛ المشكلة أن تتسع المسافة بين المواطن وحقه في حياة كريمة، بينما تتقلص مسؤولية المؤسسات أمام عينيه.. فإذا أصبح الرغيف الذي يسدّ الجوع بحاجة إلى من يراقب حجمه ووزنه وسعره، فمن يراقب حجم ما تبقى في حياة الناس من عدالة وكرامة إنسانية، في بلد طالما عرف أهله بنصرة الحق وبشم الكرم والعدالة ..
وبأنه أصل العرب.
_______
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|