الميثاق نت -

الإثنين, 26-أكتوبر-2026
مقبل أحمد الحاضني -
يتأسس الموقف المصري الرافض لأي مشاركة عسكرية قتالية أو انخراط بري مباشر خارج الحدود على منظومة متكاملة من المحددات الاستراتيجية، والأبعاد الاقتصادية، والسياسات الجيوسياسية، التي تتناغم كلياً مع مزاج عام رافض في الشارع المصري.. فمن الناحية العسكرية والعقائدية، تستند المؤسسة العسكرية إلى عقيدة دفاعية حاسمة تركز حصرياً على حماية النطاق الاستراتيجي المباشر للبلاد؛ إذ تشكل الجبهات المتاخمة كالحالة الأمنية المعقدة في ليبيا، والاضطرابات الممتدة في السودان، والتحديات المستمرة على الحدود الشرقية في سيناء وقطاع غزة، أولويات أمن قومي قصوى تمنع استنزاف القدرات أو نشر القوات في مسارح عمليات بعيدة. كما تستحضر الدروس التاريخية القاسية مخاطر التورط في نزاعات غير متماثلة أو أراضٍ ذات تضاريس معقدة، حيث تحول التدخلات البرية الصراعات إلى بيئات استنزاف مفتوحة تفتقر إلى استراتيجيات خروج واضحة، مما يجعل دور مصر القتالي مقتصراً على إجراءات تأمينية دفاعية لحماية الملاحة البحرية والأمن القومي المباشر دون الدخول في مواجهات هجومية داخل أراضي الدول الأخرى.
وعلى الصعيد الاقتصادي والجيوسياسي، يتطلب خوض أي عمل عسكري خارجي نفقات تشغيلية ضخمة وخطوط إمداد متصلة بالعملة الصعبة، وهو ما يتناقض تماماً مع مساعي الدولة لتوجيه كافة الموارد الشحيحة للتعافي الاقتصادي، واحتواء التضخم، وتأمين السلع والخدمات الأساسية للمواطنين، فضلاً عن إدراك القاهرة أن التصعيد القتالي قد يخلق ردود أفعال عكسية تمس أمن الملاحة في البحر الأحمر وتضر بالتدفقات المالية الحيوية لقناة السويس. وتكتمل هذه الرؤية برغبة الدولة في الحفاظ على موقعها التقليدي كقوة إقليمية راعية للحوار والحلول الدبلوماسية المستقلة، وتجنب الانخراط في المحاور المسلحة التي قد تظُهر مصر كطرف انحيازي في نزاعات شقيقة، مما يضمن لها المرونة الدبلوماسية للتواصل مع جميع الفرقاء ودعم استقرار المؤسسات الوطنية بالمنطقة.
أما على مستوى الرأي العام والمزاج الشعبي، فيشكل الشارع المصري حائط صد منيعاً ضد أي مغامرات عسكرية خارجية، ينطلق من قناعة وجدانية ووطنية راسخة ترى أن دماء أبناء القوات المسلحة مقدسة ولا تُبذل إلا في سبيل حماية التراب الوطني والسيادة المباشرة.. ويرى المواطن المصري، في ظل الأعباء المعيشية الراهنة، أن خوض حروب خارجية يمثل استنزافاً غير مبرر لمقدرات البلاد يعيق فرص التنمية والاستقرار الداخلي، إلى جانب إدراك مجتمعي وسياسي واسع لدى مختلف التيارات بأن النزاعات العربية لا يمكن حلها عبر الخيارات العسكرية التي تفاقم أمد الصراعات وتدمر البنى التحتية، بل عبر التفاوض السياسي والحوار، مما جعل الرفض الشعبي يعكس وعياً عميقاً بترتيب الأولويات الوطنية وجعل البناء الاقتصادي والأمن الداخلي فوق أي اعتبارات أو ضغوط أخرى.
تمت طباعة الخبر في: الإثنين, 26-أكتوبر-2026 الساعة: 11:16 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69600.htm