الميثاق نت -

الإثنين, 19-أكتوبر-2026
سلطان القدسي -
لم يكن الولاء الوطني مجرد شعار رفعته ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، بل كان من المبادئ التي قامت عليها تطلعات اليمنيين إلى بناء دولة تجمعهم، وتصون كرامتهم، وتحفظ استقلال قرارهم، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية الميثاق الوطني وما حمله من مبادئ تتعلق بالوحدة الوطنية والاستقلال ورفض التبعية، باعتبارها أسساً لا غنى عنها لبناء وطن حر ومستقر.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين نحن من هذه المبادئ؟ وإلى أي مدى استطاعت القوى السياسية والاجتماعية أن تجعل الولاء لليمن فوق الولاءات الضيقة والمصالح المتعارضة؟
إن ما تشهده بلادنا من انقسامات سياسية ومناطقية ومذهبية، وما يصاحبها من تضارب في المصالح والارتباطات الخارجية، يضع مفهوم الولاء الوطني أمام اختبار حقيقي، فقد تعددت الولاءات، وتفرقت المواقف، وأصبح كل طرف يتحدث باسم الوطن، بينما تتباين أولوياته وتحالفاته، وأحياناً تتعارض مع مصالح اليمنيين وتطلعاتهم إلى الأمن والاستقرار وبناء الدولة.
فهناك من يقدم الولاء الحزبي على المصلحة الوطنية، ومن يتعصب لمنطقته أو جماعته، ومن يجعل الانتماء المذهبي معياراً للحكم على الآخرين، وهناك من يربط مواقفه بحسابات قوى إقليمية أو دولية، حتى يصبح القرار الوطني عرضة للتأثر بأولويات تتجاوز حدود اليمن ومصالح شعبه.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التمييز بين الانتماء السياسي المشروع والتبعية التي تنتقص من استقلال القرار الوطني، فليس كل اختلاف سياسي خيانة، ولا كل علاقة خارجية تبعية، ولا كل انتماء حزبي أو مناطقي خطراً في ذاته، إنما تكمن المشكلة حين يتحول الانتماء إلى تعصب أعمى، وحين تصبح مصلحة الحزب أو الجماعة أو الجهة الخارجية مقدمة على مصلحة الوطن، وحين يُطلب من المواطن أن يدافع عن موقف جماعته ولو كان على حساب حقوق أبناء بلده.

وهنا تتجلى خطورة الولاءات الضيقة؛ فهي لا تكتفي بتقسيم المجتمع إلى جماعات متنافسة، بل قد تدفع أبناء الوطن الواحد إلى النظر بعضهم إلى بعض باعتبارهم خصوماً، بدلًا من أن تجمعهم المواطنة والمصالح المشتركة، ومع استمرار هذا النهج، تضعف الثقة بين اليمنيين، وتتراجع مؤسسات الدولة، ويتحول الوطن إلى ساحات نفوذ تتنازعها القوى المختلفة، فيما يدفع المواطن البسيط ثمن هذا الصراع من أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه.
وليس الولاء الوطني أن نردد اسم اليمن في المناسبات، أو أن نرفع علمه في الخطب والشعارات، بل أن نجعل مصلحته معياراً لمواقفنا وقراراتنا، أن نغضب لكرامة المواطن اليمني قبل أن نغضب لمكانة حزبنا، وأن ندافع عن حقوق أبناء الوطن جميعاً، لا عن حقوق جماعتنا وحدها، وأن نقف مع العدل ولو خالف مصالحنا، ونرفض الفساد والظلم أياً كان مرتكبهما أو الجهة التي ينتمي إليها.
فالوطني الحقيقي ليس من يوافق جماعته في كل شيء، وإنما من يمتلك الشجاعة ليقول لها إنها أخطأت، كما لا يكون الولاء للوطن بتخوين كل مخالف، بل باحترام الاختلاف والاحتكام إلى القانون والمصلحة العامة، فالوطن أكبر من الأحزاب، وأوسع من المذاهب، وأبقى من التحالفات السياسية المتغيرة، ولا يجوز أن يصبح ملكاً لفئة أو حكراً على جماعة دون سواها.
وإذا انتقلنا من الدائرة الوطنية إلى الدائرة القومية العربية، فإننا نجد أن الانتماءين لا ينبغي أن يكونا متعارضين، فاليمن جزء من محيطه العربي، وتاريخه وثقافته ومصالحه متداخلة مع تاريخ الأمة العربية ومستقبلها، لكن الانتماء القومي الحقيقي لا يعني أن يتنازل اليمن عن استقلال قراره، أو أن تصبح مصالح شعبه خاضعة لحسابات الآخرين؛ بل يعني أن يتعاون مع أشقائه على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأن يسهم في قضايا أمته من موقع الدولة المستقلة التي تعرف حقوقها وواجباتها.
فلا قيمة لشعار قومي إذا كان المواطن اليمني محروماً من حقوقه الأساسية، ولا معنى للتغني بوحدة الأمة إذا عجزنا عن حماية وحدة وطننا، ولا يمكن أن تكون العلاقات العربية مصدر قوة إلا إذا قامت على الشراكة والاحترام، لا على التبعية والاملاءات.
إن قوة اليمن واستقراره ووحدة أبنائه ليست شأناً يمنياً فحسب، بل تمثل أيضاً رصيداً للاستقرار والتعاون في محيطه العربي.
إن استعادة أهداف الثورة ومبادئ الميثاق الوطني لا تكون بمجرد استحضار النصوص والشعارات، وإنما بتحويلها إلى سلوك سياسي ووطني، يبدأ باستقلال القرار، ويمر باحترام المواطنة المتساوية، وينتهي ببناء دولة يشعر فيها اليمني بأنه مواطن كامل الحقوق، لا تابع لحزب أو رهينة لمذهب أو أسير لمنطقة أو أداة في صراع الآخرين.
وإذا أردنا الخروج من النفق الذي تعيشه بلادنا، فعلينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نتفق على قاعدة واضحة: اختلافنا في السياسة لا يبيح تمزيق الوطن، وانتماؤنا إلى جماعات مختلفة لا يسقط حقوقنا المتساوية، وعلاقاتنا الخارجية لا ينبغي أن تنتقص من استقلال قرارنا الوطني.
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات التي تفرق أبناءه، بل إلى مشروع وطني يجمعهم، ويعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويجعل كرامة الإنسان وأمنه وحقوقه أساساً لكل موقف وقرار، فالوطن الذي تتقدم فيه الولاءات الضيقة على المواطنة يظل معرضاً للانقسام، أما الوطن الذي تتسع فيه مظلة الانتماء للجميع، فيمتلك فرصة حقيقية لاستعادة وحدته وبناء مستقبله.
وخلاصة القول: إن الولاء الوطني ليس إلغاءً للانتماءات الأخرى، بل هو الإطار الذي ينظمها ويمنعها من التحول إلى أدوات للصراع والتمزق، والانتماء القومي العربي لا ينتقص من الولاء لليمن، بل يعززه حين يقوم على التعاون والندية واحترام استقلال القرار.
فليكن انتماؤنا الحزبي والسياسي والمناطقي والمذهبي مصدر تنوع وإثراء، لا سبباً للفرقة والاقتتال، ولتكن علاقاتنا الخارجية جسوراً للتعاون، لا أبواباً للتبعية، وليكن المعيار الذي نحتكم إليه جميعاً هو ما يحقق مصلحة اليمنيين ويحفظ كرامتهم ويصون مستقبل اجيالهم.
اليمن أولاً، في الحقوق والواجبات والقرار والمصير؛ واليمن أخيراً، بوصفه الوطن الذي نعود إليه مهما اختلفت بنا الطرق، وما عداه من انتماءات وعلاقات ينبغي أن يظل في إطار الولاء للوطن والهوية القومية والعقيدة الإسلامية.
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 18-أكتوبر-2026 الساعة: 10:58 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69565.htm