الميثاق نت -

الأحد, 27-سبتمبر-2026
الميثاق نت- المحرر الرياضي: -
حين أطلق أحرار القوات المسلحة وضباط تنظيم الأحرار الجمهوريون الرصاصة التاريخية الأولى فجر 26 سبتمبر 1962م، لم تكن المعركة مقصورة على استبدال عرش بجمهورية، ولا إخلاء قلاع الإمامة وهدم أسوار العزلة المذهبية وحدها، بل كانت هزة بنيوية عميقة تلامس كيمياء جسد الإنسان اليمني ووعيه الجمعي..
فالإرث الكهنوتي كان ينظر إلى الفضاء العام بعين الريبة، فالتجمعات البدنية المنظمة والفرق الرياضية الخالية من رقابة القصر والنخبة الدينية تُمثل خشية حقيقية من تشكل وعي مستقل..
من رماد ذلك الانغلاق، انبثقت الرياضة اليمنية الحديثة لا كترف استهلاكي وافد، بل كأداة سياسية ووظيفية ضمن مشروع الدولة السبتمبرية..

من الاجتهاد المعزول إلى المؤسسة السيادية
لم تسلم سنوات ما قبل الثورة من كونها اجتهادات فردية معزولة في بعض حواضر الساحل كعدن بحكم السياق الاستعماري وبُعد النسق، مقابل نزر يسير في الداخل..
ومع ميلاد النظام الجمهوري، تلمست الدولة أداة الدمج الأبرز في هيكلة المرجعيات السيادية، إذ صعد التدرج المؤسسي من إنشاء المجلس الأعلى لرعاية الشباب والرياضة في سبعينيات القرن العشرين، مروراً بتحوله إلى وزارة سياديّة تمتلك موازنة ضمن خطط التنمية الخمسية، وتصدر التشريعات المنظمة للأندية والانتخابات والعضوية العامة..
وفي ذات السياق، لم تكن المعسكرات الكشفية القومية والمحلية مجرد مخيمات ترفيهية، بل وُظفت كأكاديميات مصغرة للوطنية الحقة، يتعلم فيها الشاب القادم من القرى والمدن تعايش الانضباط، تحية العلم، واختراق الحواجز الجهوية والمناطقية تحت شعار الإخاء السبتمبري..

الملاعب عواصم صغرى للبهجة
هذا التحول انسحب على جغرافيا البلاد بأسلوب هندسي بهيج، إذ تحولت المساحات الجرداء والترابية إلى عواصم صغرى للبهجة ترسخ حضور الدولة المعمارية الحديثة بتدشين استاد الثورة الرياضي بصنعاء (ملعب المريسي) ليحول ليالي العاصمة إلى مهرجانات تضامن كبرى، وتوازى ذلك مع إنشاء استاد الشهداء بتعز، وملاعب عدن المورثة والانصهار الكبير للمدارس الرياضية (التلال، الأهلي العدني، الشعلة)، وصولاً إلى استاد العلفي بخصوصيته الساحلية بالحديدة، ومشاريع البنى التحتية المتدرجة في مأرب، الجوف، سقطرى، وحضرموت وإب، تزامناً مع اعتماد الصالات المغطاة لأول مرة لاستضافة ألعاب السلة والطائرة واليد، ردماً للفجوة مع المعايير العربية والآسيوية..

مدرج المساواة وتفريخ المواهب
وعلى مستوى النسيج الاجتماعي، شكل إنشاء شبكة أندية امتدت من العواصم إلى المديريات والمدن الثانوية (الهلال، الشعب، الأهلي، التضامن، الطليعة، شباب البيضاء، اتحاد إب، وأندية أبين ولحج وحضرموت) حراكاً فريداً، جلس فيه ابن الشيخ التقليدي بجوار ابن المزارع أو الحرفي على مدرج واحد يرتديان ذات الشعار، وهذا اختبار ديمقراطي ومساواتي عجزت قاعات الدرس وحدها عن فرضه..
وتحولت الأندية إلى كيانات مدنية تمارس الانتخابات الديمقراطية لإداراتها، بينما مثلت بطولات المدارس الثانوية وجامعات صنعاء وعدن وتعز الرافد الاستراتيجي الحقيقي للمنتخبات بالمواهب الخامة..

العصامية السبتمبرية والوصول إلى قمم العالم
هذه العصامية السبتمبرية بلغت ذروتها في التأهل التاريخي لمنتخب الناشئين لنهائيات كأس العالم بفنلندا 2003م، جيل يفتقر لأكاديميات الملايين لكنه يمتلك قلباً يعادل قارات، مقارعاً كبار العالم بندية أذهلت المراقبين..
وتوازى ذلك مع ذهنية الشطرنج اليمني الحاجز لمقاعد متقدمة دولياً وعربياً، و ابطال الكاراتيه والتايكوندو وألعاب القوى والملاكمة، فيما تحول الدوري العام لكرة القدم إلى نبض إيقاعي يضبط أسبوع المدن بعشرات الآلاف على المدرجات، متجاوزاً القبيلة والمناطقية كأكبر تظاهرة سلام اجتماعي..

حضور المرأة وصناعة الوعي المدني
ولم تكن هذه الرحلة غائبة عن أفق تحديث الإنسان، إذ كفلت تشريعات النظام الجمهوري المرتبطة بالتعليم والعمل مساحة واضحة لحضور المرأة في الميدان الرياضي تنافساً في ألعاب الجامعات والأندية، وبروزاً للكوادر النسوية كإداريات، حكمات، ومدربات..
وواكب ذلك ميلاد الصحافة المتخصصة كملحقات الرياضة والشباب والإذاعة والتلفزيون عبر المعلقين التاريخيين، لصنع رأي عام يمتلك ثقافة الوعي باللوائح وحق المساءلة..

عقيدة البقاء والمرمي المفتوح
تظل الرياضة في اليمن عقيدة بقاء، فكل طفل يداعب كرة في زقاق أو يدفع ثقلاً في صالة متواضعة، هو امتداد لأولئك الأحرار الذين صعدوا جبال عطان ونقم يصنعون الجمهورية..
ويبقى المرمى السبتمبري مفتوحاً على الشمس، والملاعب مدارس بديلة للكرامة والشباب حراستها الأبديون.
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 27-سبتمبر-2026 الساعة: 10:59 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69492.htm