مطهر تقي - من يتابع مسار العلاقة اليمنية السعودية منذ مذبحة تنومة في الأرض السعودية لقرابة 3000 من الحجاج اليمنيين المعتمرين الذين أُبيدوا ذبحًا وقتلاً على يد القبائل البدوية الوهابية الهمجية عام 1922م.. مرورًا بمحاربة السعودية لثورة 26 سبتمبر عام 1962م لمدة تقارب سبعة أعوام.. وكذلك من يتابع الموقف السعودي من الوحدة اليمنية وكيف دعمت السعودية بالمال والسلاح والموقف السياسي والإعلامي قوى الانفصال في حرب عام م1994 مرورًا بعدوان عاصفة الحزم، ومناصبة العداء لأنصار الله وثورة ٢١ سبتمبر التي اعتبرها امتداداً لثورة وأهداف ٢٦ سبتمبر الخالدة وما تلى ذلك من تطورات سياسية في العلاقة اليمنية السعودية أفضت إلى الحالة الراهنة من الحرب والحصار، سيجد أن هناك مشكلة وصلت حد العقدة لدى الحكومة السعودية اسمها اليمن، وسيجد كذلك أن هناك مشكلة لدى غالبية القوى السياسية اليمنية والمواطن اليمني خصوصًا، اسمها مشكلة التدخل السعودي في الشأن اليمني، تنفيذاً كما يُقال لوصية الأب المؤسس عبدالعزيز آل سعود لأبنائه بأن شركم يأتي إذا استقر اليمن، وخيركم يأتي إذا استمر اليمن مضطرباً وغير مستقر... وهذه لاشك سياسة خاطئة جداً وما يحصل اليوم في الساحة اليمنية دليل على ذلك.
ولطول الحديث عن تاريخ العلاقة اليمنية السعودية وتعقيداتها، سأكتفي في هذا المقال بالإجابة عن سؤال مهم: لماذا قامت السعودية بقيادة الملك فيصل بن عبدالعزيز بمحاربة ثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة ومحاربة النظام الجمهوري أيضًا بالمال والسلاح لقرابة سبع سنوات، على أمل القضاء على الثورة والجمهورية وإعادة الحكم الإمامي الملكي الذي ثار الشعب اليمني عليه؟؟؟
أعتقد أن الجواب عن ذلك السؤال يتلخص في جملة واحدة، وهي أن السياسة السعودية لا تحب الخير للشعب اليمني، ولا تتمنى أن يخرج اليمن من ثالوث الفقر والجهل والمرض، ولا تحب أن يحكم الشعب اليمني نفسه بنفسه ويدخل العصر الحديث بكل إيجابياته التنموية، ويظل ضعيفًا متخلفًا حتى يسهل على القيادة السعودية أن تواصل سيطرتها وهيمنتها عليه، باعتبار اليمن جارًا يتميز عن غيره من جيران السعودية بكثرة السكان وطول الحدود الجغرافية معه، ويتميز عن غيره أيضًا بأنه صاحب حضارة تاريخية عظيمة، وإذا ما توافرت له الظروف السياسية والاقتصادية وتوفر له الاستقرار أيضًا، ليس من المستبعد أن يقيم حضارته من جديد ويصبح سيدًا على الجزيرة العربية كما كان في عصر تلك الحضارة ، ويستعيد بالتالي أقاليمه الثلاثة نجران وجيزان وعسير التي استولت عليها القيادة السعودية رسميًا بموجب اتفاق الطائف بعد انتصارها على المملكة المتوكلية اليمانية عقب حرب عام 1934م.
ذلك من الجانب السياسي، أما الجانب الثاني المهم الذي جعل القيادة السعودية تناصب العداء للشعب اليمني، أيضاً أن الشريك الديني الأساسي للقيادة السياسية لآل سعود وهو الشيخ محمد بن عبدالوهاب، مؤسس الفكر الوهابي المتعصب، ومنذ بداية الدولة السعودية الأولى في منتصف القرن الهجري الثاني عشر، أي قبل قرابة 300 عام بالتقريب، بدأ منذ ذلك الزمن صراع سياسي مذهبي بين الأئمة الزيديين وبين آل سعود ذات الانتماء المذهبي الوهابي المتشدد، وجاءت نتائج حرب عام 1934م لتعمق هذا الخلاف ومحاولة الهيمنة، وقد اكتشفت القيادة السعودية وبالتحديد عام ١٩٣٥م أن المال اقوى سلاح يمكن من خلاله السيطرة على بعض السياسيين والمشائخ ليكونوا عوناً لها في تنفيذ سياستها وبدأت تصرف إعاشات شهرية وميزانيات لتلك القوى منذ ذلك العام.. وعند قيام ثورة 26 سبتمبر عام 1962م كان الملك فيصل في ذلك اليوم يقوم بزيارة إلى أمريكا، وأثناء لقائه بالرئيس الأمريكي كيندي ووزير دفاعه تم الاتفاق بينهما وبطلب سعودي على محاربة الثورة اليمنية ونظامها الجمهوري وإعادة الحكم الملكي، وتم من يومها مرافقة الأمير الحسن بن يحيى حميد الدين مندوب اليمن في الأمم المتحدة مع الملك فيصل إلى السعودية، وبدأت الحرب ضد الثورة اليمنية بدعم أمريكي بريطاني أردني إيراني والاستعانة كذلك بمرتزقة إسرائيليين و بريطانيين وفرنسيين ليساعدوا القوات الملكية على التدريب العسكري ووضع الخطط الحربية حتى هزمت الثورة و الجمهورية اليمنية القوات الملكية المدعومة بالمال والسلاح السعودي في فبراير من عام 1968م بعد ملحمة السبعين يومًا وانتصرت ثورة وجمهورية ستة وعشرين سبتمبر الخالدة.
لكن بعد الحرب العسكرية وبعد المصالحة الوطنية عام 1970م واصلت القيادة السعودية التدخل في الشأن اليمني مستغلةً الوضع الاقتصادي الضعيف وقلة الموارد للحكومات اليمنية المتعاقبة حتى وصل درجة ذلك التدخل إلى أن خصص مكتب للملحق العسكري السعودي (الهديان) في مبنى القيادة العامة ولم يطرد ذلك الملحق من اليمن إلا عام ١٩٨٠م، وهي لا شك سياسة سعودية خاطئة لها من العواقب السيئة على السعودية كما هي على اليمن، وما تشهده اليمن في هذا الزمن الخطير من حرب بين القيادات السياسية اليمنية المتصارعة وعدوان وحصار اقتصادي على الشعب اليمني دليل على خطأ تلك السياسة، وهذا يعني أن السعودية واليمن بحاجة ماسة ومستعجله إلى سياسة جديدة أساسها السلام والتكامل الاقتصادي التنموي المشترك واحترام كل طرف سيادة الطرف الآخر، وان التآمر والتدخل في الشأن اليمني لا طائل منه، وستجد السعودية وقتها أن الشعب اليمني خير أخ وخير جار لأخيه السعودي.
مبروك للشعب اليمني في اليمن الكبير وقواه السياسية المختلفة العيد الرابع و الستين لثورة سبتمبر وأهدافها الخالدة التي هي بحاجة من كافة القوى السياسية الخيّرة أن تعمل على مواصلة تحقيقها على أرض الواقع اليمني باعتبارها قاسماً مشتركاً لجميع أبناء اليمن .
|