د. محمد الشدادي - غداً واليوم سيكتب كثيرون عن المؤتمر الشعبي العام.
سيكتب السياسيون عن تأسيسه..
والقيادات عن تاريخه..
والمؤتمريون عن أمجاده..
وخصومه عن أخطائه..
أما أنا فأريد أن أسأل سؤالاً واحداً فقط:
بعد 44 عاماً من عمر المؤتمر..
أين ذهبت الأشياء التي عاشها اليمنيون؟
أين ذهبت الطرق؟
والجسور؟
والمطارات؟
والجامعات؟
والمستشفيات؟
والمؤسسات؟
والكوادر؟
أين ذهب الطبيب الذي تخرج؟
والمهندس الذي بنى؟
والمعلم الذي علّم؟
والموظف الذي أمضى عمره داخل مؤسسات الدولة؟
هل كان كل ذلك وهماً؟
لا..
فالطريق شاهد..
والجامعة شاهدة..
والمؤسسة شاهدة..
والإنسان اليمني نفسه شاهد..
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية..
أنا لا أقول إن المؤتمر كان بلا أخطاء..
ولا أعتقد أن التاريخ يُكتب بهذه السذاجة..
كانت هناك أخطاء، واختلالات، وقرارات تستحق النقد والمساءلة..
لكن الإنصاف يقتضي ألا تتحول الأخطاء إلى ممحاة تمسح كل شيء، كما لا ينبغي أن تتحول الإنجازات إلى صك براءة..
الدولة لا تُقرأ بالشتيمة وحدها، ولا تُقرأ بالتصفيق وحده..
تُقرأ بما تركته في حياة الناس..
والمؤتمر، شئنا أم أبينا، لم يكن مجرد بطاقة حزبية..
كان جزءاً واسعاً من تجربة الدولة اليمنية الحديثة؛ في السياسة، والإدارة، والتنمية، والتعليم، والصحة، وتكوين الكوادر، وفي حياة ملايين اليمنيين الذين عاشوا تلك المرحلة وتركوا فيها أعمارهم وخبراتهم وأحلامهم..
ولهذا فإن ذكرى تأسيسه ليست مجرد مناسبة للمؤتمريين..
إنها مناسبة لإعادة قراءة مرحلة من تاريخ اليمن..
فاليمن لا تُبنى بمحو تاريخها، وإنما بفهمه..
نأخذ من التجربة ما نجح..
نعترف بما أخطأ..
نحفظ ما يستحق أن يُحفظ..
ونترك ما أثبت الزمن أنه كان سبباً في الخلل..
وهنا في رأيي يبدأ دور المؤتمر الجديد..
ليس أن يعود إلى الماضي كما كان..
وليس أن يستعيد سلطة انتهت..
بل أن يستعيد وظيفته الوطنية:
أن يكون قوة سياسية تساعد في بناء الدولة واستعادة مؤسساتها، ودعم التنمية وحماية الجمهورية، وخدمة الإنسان اليمني ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية.. ولملمة كل القوى الوطنية لاستعادة الدولة والسمو في الجراح، وطي الانقسامات، وجعل اليمن فوق كل اعتبار..
فاليمن لا تحتاج حزباً ينتصر على اليمنيين..
اليمن تحتاج قوى تنتصر لليمن..
وبعد 44 عاماً، ليس السؤال الأهم:
هل بقي المؤتمر؟
هذا أصبح واضحاً..
السؤال الأصعب:
ماذا سيفعل المؤتمر لأنه بقي؟
فالبقاء ليس مجداً مكتملاً..
البقاء مسؤولية..
والتاريخ لا يمنح أحداً شيكاً على بياض..
لكنه يمنح من بقي فرصة نادرة:
أن يتعلم من الماضي.. ويكتب شيئاً يستحق المستقبل..
وفي ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام الرابعة والأربعين:
كل عام واليمن أولاً..
لأن الحزب الذي يريد أن يبقى في المستقبل عليه أن يثبت أن أفضل ما فيه لم يكن ما فعله لنفسه.. بل ما يستطيع أن يفعله لليمن.
|