د. عبدالوهاب الروحاني - الأحداث والنكبات التي تفتك بالدولة والمجتمع تزيدني قناعةً بأن الطريق لاستعادة وبناء الدولة التي يحكمها النظام والقانون يجب أن تمر عبْر خَيار الصندوق والتعددية السياسية وحرية الرأي والتفكير والتعبير..
خَيار الصندوق الذي نعنيه، هو ببساطة القبول بالآخر المختلف، وهو الطريق الأكثر أمناً وسلاماً، وهو ما يجب الرهان عليه بشرط الاحتكام للنزاهة والشفافية..
تحضرني فكرة خَيار الصندوق هذه، والمؤتمر الشعبي العام يحتفل بذكرى تأسيسه؛ ذلك لأنه أسَّس لتجربة رائدة قبل 44 عاماً حينما كانت حروب الجبهة تفتك بالمجتمع.. وحينما كانت الأحزاب السرية تتقاتل مع السلطة في صنعاء وتتآمر على بعضها في عدن، والدم يُسفَك على أعتاب كرسي الرئاسة..
حينما كان الوطن في كف عفريت تأسس المؤتمر الشعبي العام على قاعدة الحوار.. وبالحوار اجتمعت كل أطياف العمل السياسي السرية والعلنية على طاولة واحدة، وكتبت جميعها بقلم وطني يمني وثيقة فكرية وطنية يمنية خالصة، حددت مسار السلطة وطريق المشاركة..
منذ ذلك التاريخ 24 أغسطس 1982م والمؤتمر يتعلم الدايقراطية بداخله، ويمارسها بشفافية عالية، وهو ما تمنينا على القوى والأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى أن تفعله وتتعلم منه بعد قيام دولة الوحدة، لأنه من الصعب على مَنْ لا يمارس الديمقراطية بداخل حزبه أن يقبل بممارستها مع الآخر المختلف خارجه..
من هنا نقول بأن تَعلُّم القبول بالآخر يبدأ من داخل الحزب أو التنظيم نفسه إنْ أراد المشارَكة في عملية سياسية وطنية ناجحة تجنّب البلاد هذه الدوامة من الاقتتال، الذي لا أفق لنهايتها..
المؤتمر قدَّم تجربة ناجحة ومميزة، فمن داخله تَعلَّم الديمقراطية وعلَّمها، ولذلك نجده هو الأقرب إلى كل الاتجاهات وأطياف العمل السياسي، فهو وسطي، يرفض الغلو والتعصُّب، ويقبل بالآخر، أياً كان شكله أو لونه أو فكره..
خلال مسيرته، مارس المؤتمر الديمقراطية قولاً وعملاً؛ بل مارس التعددية السياسية بداخله، ولذلك وببساطة نجد أنه:
• تأسس على أسس وقواعد ديمقراطية.
• لم يأتِ إلى السلطة لا بدبابة ولا بمدفع، حتى مؤسّسه الرئيس صالح (رحمه الله) هو الوحيد بين الرؤساء اليمنيين الذي جاء للرئاسة منتخَباً ولم يأتِ بانقلاب، أو على ظهر دبابة..
• المؤتمر هو الوحيد بين الأحزاب السياسية اليمنية الذي يمتلك رؤية وطنية أجمعت عليها كل القوى ونزلت لاستفتاء شعبي عام عند التأسيس..
• كل الأطر التنظيمية بداخله من الأدنى إلى الأعلى تنتخب انتخاباً حُراً ومباشراً منذ عام التأسيس..
من هنا، أجد أن تجربة المؤتمر -أعني ممارسة الديمقراطية من الداخل- جديرة بأن تُعمَّم وتسود وتحكم الأحزاب، لنلتقي نحن اليمنيين على كلمة سواء ونقبل بالآخر، ثم نقبل بالصندوق ليكون هو الخَيار بدلاً من استمرار النزيف..
بعد قيام دولة الوحدة 1990م التي اقترن قيامها بالديمقراطية والتعددية السياسية فُتحت آفاقٌ جديدة لبلادنا، ورأينا وطننا يكبر في عيوننا وفي عيون الآخرين.. وذلك لم يأتِ صدفة، وإنما جاء بفعل النضج السياسي الذي رافق التجربة السياسية اليمنية، وتَعلَّمنا من الاقتتال والحروب.. فهل نعود ونتعلم من جديد، ونقول كفى..؟!! |