الميثاق نت -

الأربعاء, 19-أغسطس-2026
أماني محمد -
صبر وكفاح الشعب اليمني فضيلة وطنية عظيمة، لكنه لا يكون قوةً إيجابية إلا عندما يكون جزءًا من عَـقْدٍ اجتماعي واضح المعالم، له أفق زمني، وغاية تتمثل في بناء دولة تتبادل فيها القيادة مع الشعب الوفاء بالوفاء؛ فيصبر المواطن اليوم، لتفي الدولة غدًا ببناء المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وصَوْن الحقوق..
يُنظَر إلى الصبر في الوعي الجمعي بوصفه فضيلة أخلاقية؛ غير أن العلوم السياسية لا تقيس الفضائل بمعزل عن نتائجها؛ فالقيمة السياسية للصبر لا تنبع من الصبر ذاته، بل من طبيعة العلاقة التي تربط المجتمع بالدولة، ومن الغاية التي يُسخَّر من أجلها هذا الصبر..
إن المجتمع الذي يمنح قيادته الوقت والثقة، ويتحمل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية، إنما يقدم أحد أثمن الموارد السياسية التي قد لا تستطيع الحكومات شراءها بالمال أو فرضها بالقوة، وهو الشرعية الزمنية، أي المساحة التي تسمح للدولة بالتخطيط والإصلاح، واستيعاب الأزمات، وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية دون أن تنهار تحت ضغط المَطالب اليومية..
ولهذا، لم يكن نجاح كثيرٍ من تجارب النهوض الاقتصادي نتيجة وفرة الموارد الطبيعية فحسب، بل كان ثمرة التقاء عنصرين في لحظة تاريخية واحدة: شعب مستعد للصبر، وقيادة مستعدة للوفاء..
فالصبر الشعبي، والمساحة الزمنية التي يمنحها المجتمع للدولة، لا يتحولان إلى نضال مثمر إلا إذا قابلهما وفاء متبادَل من قيادة وطنية تستثمر هذه الثقة لبناء دولة العدالة والقانون، فتُعيد للمواطن كرامته، وتصون حقوقه، وتنهي زمن التضحيات لتبدأ مرحلة الحقوق والمؤسسات وسيادة القانون..

أين تكمن الكارثة؟..
تبدأ الكارثة عندما تُعامل هذه المزايا الشعبية العظيمة بوصفها أمرًا طبيعيًا ومُسَلَّمًا به، وتُستغل لإطالة أمد الفشل والتنصُّل عن الواجبات الدستورية والاستحقاقات الوطنية؛ عندها يتحول الصبر والتكافل المجتمعي من رافعة لبناء الدولة إلى ذريعة لإعفاء المسؤولين من مسؤولياتهم، وتتحول الفضيلة التي كان يُفترَض أن تقود إلى النهضة إلى أداة لإعادة إنتاج الإخفاق..
ومع ذلك، فإن الحديث عن قيمة الصبر لا يعني، بحالٍ من الأحوال، الدعوة إلى التكـيُّف مع انتقاص الحقوق أو التخلّي عن المطالبة بها؛ فالمطالَبة بالحقوق المشروعة ليست خروجًا على العقد الاجتماعي، بل هي أحد أركانه الأساسية، لأنها تضمن بقاء العلاقة بين الدولة والمجتمع قائمة على التوازن والمسؤولية المتبادَلة..
فالصبر ينبغي أن يكون على مشقة البناء، لا على استمرار غياب العدالة، ولا على تأجيل الحقوق، ولا على تعطيل سيادة القانون.. وعندما يصبح الصبر غاية في ذاته، بدل أن يكون وسيلة لبناء الدولة، فإنه يفقد قِيمته الوطنية ويتحول من فضيلة إلى أداة لإدامة الفشل.
تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 21-أكتوبر-2026 الساعة: 05:47 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69285.htm