عبدالسلام الدباء* - قد ينسى الناس كثيراً مما قلته لهم، وقد تتلاشى من ذاكرتهم تفاصيل مواقف جمعتكم، لكنهم نادراً ما ينسون شعوراً جميلاً تركته في نفوسهم.. فكم من إنسان غاب عن أعيننا منذ سنوات، وما زال حاضراً في الذاكرة لأن يداً امتدت منه ذات يوم، أو كلمة طيبة خرجت من قلبه في لحظة احتاج فيها الآخرون إلى الأمل..
الحياة، في جوهرها، ليست بعدد السنوات التي نعيشها، وإنما بما نتركه خلالها من آثار.. فالإنسان لا يرحل تماماً حين يغادر المكان؛ إذ تبقى منه كلماته، ومواقفه، وأخلاقه، وما صنعه للآخرين من خير.. وربما كان أجمل ما يمكن أن يتركه المرء خلفه، أثرٌ لا يحمل اسمه، لكنه يحمل بصمته..
ليس الخير دائماً مشروعاً عظيماً ولا موقفاً استثنائياً.. أحياناً يكون ابتسامة في وجه عابر، أو مساعدة لشخص أثقلته الحاجة، أو كلمة تشجيع لإنسان أوشكَ على الاستسلام، أو عفواً عن إساءة كان من السهل أن نرد عليها بمِثلها.. وقد يكون الخير أكثر بساطةً من ذلك كله: أن تترك المكان الذي مررتَ به أفضل قليلاً مما كان عليه قبل حضورك..
المشكلة أن بعض الناس يؤجّلون الخير، وكأن أمامهم عمراً مضموناً لا ينتهي.. ينتظرون الوقت المناسب، والظرف المناسب، والفرصة الكبيرة، بينما تمر فرص صغيرة كل يوم دون أن يلتفتوا إليها.. والحقيقة أن الخير لا يحتاج دائماً إلى إمكانات كبيرة؛ إنه يحتاج قبل ذلك إلى قلب يرى حاجة الآخرين، وعقل يدرك قيمة الأثر، وإرادة تقول: لماذا لا أفعل؟..
إن أجمل ما في الخير أنه لا يتوقف عند صاحبه.. فكلمة طيّبة قد تمنح إنساناً قوة، فيمنحها بدوره لغيره، ومساعدة صغيرة قد تغـيّر مسار حياة، وموقف نبيل قد يصبح درساً يتناقله الناس دون أن يعرفوا صاحبه.. وهكذا يتحول الفعل البسيط إلى سلسلة من الآثار، ويصبح المعروف شجرة تمتد أغصانها بعيداً عن المكان الذي زُرِعت فيه..
ولعل أعظم ما ينبغي أن نتعلمه هو ألا نسأل دائماً: ماذا سأحصل مقابل ما أقدمه؟، بل نسأل: ماذا سيبقى مني بعد أن أرحل؟.. فالأموال تُنفق، والمناصب تزول، والصور القديمة تَخْفُت ألوانها، لكن الأثر الطيّب يجد طريقه إلى الذاكرة، وربما بقي هناك أطول مما بقي صاحبه في الحياة..
لذلك، ازرع الخير حيثما مررتَ؛ في بيتك، وفي عملك، وفي الطريق، وبين الأصدقاء، وحتى مع مَنْ لا تعرفهم.. لا تبحث عن التصفيق، ولا تنتظر شهادة من أحد.. يكفي أن تعرف أنك أضفتَ إلى هذا العالم شيئاً جميلاً بدلاً من أن تأخذ منه شيئاً آخر..
وفي النهاية، قد لا نملك أن نختار كيف يتذكرنا الناس، لكننا نملك أن نمنحهم سبباً جميلاً ليتذكرونا.. فحين ينتهي الطريق، لا يبقى من خطواتنا عددها، بل آثارها.
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|