علي هبة الحرازي - في مسيرة بناء الدول، ثمة صروحٌ لا تكتفي بكونها مؤسساتٍ تعليمية، بل تتحول إلى شريانٍ حيويٍ يغذّي مفاصل الدولة بالكفاءة والرؤية الاستراتيجية.. والمعهد الوطني للعلوم الإدارية ليس مجرد مؤسسة عريقة، بل هو حكايةٌ بدأت فصولها منذ انشائه في 16 أغسطس 1963م، لتشكل القاعدة الصلبة التي ارتكزت عليها حداثة الجهاز الإداري في اليمن..
جذورٌ راسخة.. حين التقت الرؤية بالطموح
لم تكن انطلاقة المعهد مجرد محاولة أكاديمية عابرة، بل كانت استجابة استراتيجية لمتطلبات بناء الدولة.. وتُعد انطلاقة أول دبلوم تخصصي في الإدارة العامة لخريجي الجامعات في 1 يوليو 1976م حجر الزاوية في مسيرته الأكاديمية؛ إذ أرسى هذا البرنامج -بتمويل من المشروع الألماني للتنمية الإدارية- منهجيةً رائدةً لربط المعارف العلمية بالواقع العملي للبيئة اليمنية وتطوير قدرات التحليل القيادي، مستقطباً في بداياته نخبة من المدربين البارزين، مثل د. عبدالكريم الأرياني، والمستشار حسين الحبيشي، وناصر الملاحي، والسيد ككوك، والخبير محمد العزاني..
وقد تَعزز هذا النهج بانفتاح المعهد على الخبرات الدولية؛ فنستذكر بتقدير جهود الخبراء الاستشاريين، أمثال السيد "هوك"، والسيد "هيرت"، والسيد "هـ. ج. والتر"، الذين وضعوا اللبنات الأولى لبرامج طموحة رسمت ملامح الجيل الأول من الإداريين المتميزين..
"لقد شكَّـل المعهد الوطني للعلوم الإدارية على مَرّ العقود رافداً حيوياً للجهاز الإداري للدولة، حيث خرَّج نخبة من الشخصيات الوطنية الرائدة التي لم تكتفِ بتولّي المناصب، بل تركت بصماتٍ خالدة وعميقة في مسارات تطوير وتحديث العمل المؤسسي، واضعةً أسس الإدارة الحديثة التي تستند إلى الكفاءة والنزاهة في خدمة الوطن"..
ويقف في طليعة مسيرة التجديد الدكتور محمد ضيف الله القطابري، "المهندس الإداري" الذي تبنَّى فلسفة الهندسة الإدارية، وقاد المعهد نحو آفاق العصرنة عبر تطوير البرامج الأكاديمية، وإطلاق ماجستير التنفيذ والأكاديمي، وافتتاح تخصصات حيوية كالمحاسبة ونظم المعلومات، مما جعل المعهد يواكب أحدث المعايير العلمية الدولية.. هؤلاء الرواد، ابتداءً من عميد المعهد السابق الراحل محمد أنعم غالب، الذي أرسى فلسفة "تهيئة جيل يتحمل كافة أعباء المرحلة"، وصولاً إلى قامات التجديد، يمثّلون روح المعهد الوثَّابة نحو المستقبل..
63 عاماً من العطاء.. رؤيةٌ تتجدد
اليوم، وبينما نحتفي بمرور 63 عاماً من العطاء، نستعيد تلك الأهداف التي سعت إليها دبلومات الدراسات العليا: تحسين مستوى الأداء، وربط المعارف العلمية بمتطلبات البيئة اليمنية، وإكساب الدارسين مهارات التحليل العلمي العميق.. لقد نجح المعهد بفضل هذه العقول في التحول من "فكرة طموحة" إلى "صرحٍ شامخ"، عبر اتفاقيات الشراكة مع أعرق الجامعات وتحديث بنيته الأكاديمية..
دعوةٌ للتميُّز
إن المعهد الوطني للعلوم الإدارية، وهو يمضي في عامه الثالث والستين، يجدّد عهده بأن يظل الرافد الأساسي للكفاءات الوطنية.. إننا ندعو اليوم كل الطموحين والمبدعين من أبناء الوطن للانضمام إلى رَكْب قادة الإدارة، ليكونوا جزءاً من التاريخ الإداري المستقبلي لهذا الوطن، تماماً كما كان أسلافهم الذين أسسوا لمجدِ هذه المؤسسة العريقة..
المعهد الوطني للعلوم الإدارية.. حيث تُصنع القيادة، ويُبنى الوطن.
|