د. عبدالعزيز البكير - للعام الثاني عشر على التوالي، تستمر المعاناة الإنسانية في اليمن لتسجّل واحدةً من أقسى المآسي في التاريخ الحديث؛ يعيش المواطن اليمني الصامد اليوم بين مطرقة العدوان والحصار الجائر، وانقطاع المرتبات، والارتفاع الفاحش في الأسعار، وانعدام مصادر الدخل.. في ظل هذا المشهد القائم على الوجع، والأمراض، وسوء التغذية، ونهْب الثروات السيادية من نفط وغاز، يقف المواطن المقهور ليعبّر عن أبسط حقوقه الإنسانية بصرخة وجع فطرية وصادقة: "أنا جائع"؛ والتي لا أقصد بها شخصًا بعينه؛ بل هي صرخة غريزية لكل متضرّر من هذا الحصار، ترفض الموت البطيئ، وتضع العالم بأَسْره، وفي مقدمته دول العدوان، أمام مسؤوليتهم الأخلاقية والإنسانية..
من الأخطاء الفادحة، تجريم الشكوى من الجوع، لأن مَنْ يجرّم هذه الشكوى، فهو يقدم بذلك خدمةً مجانيةً للأعداء؛
ومن المؤسف والمؤلم حقاً، أن تُقابَل هذه الصرخة الفطرية النابعة من سيل القهر بالاستنكار أو التشكيك من بعض الأقلام والناشطين في الداخل، الذين سارعوا بخطأ سياسي أو اندفاع غير مسؤول إلى توجيه اتهامات العمالة، والتبعية، والتحريض ضد "نظام الصمود" لكل مَنْ يشكو الجوع والوجع!
إن محاولة تكميم الأفواه، وإسكات صوت المواطن الجائع، أو تصوير ألمه كأنه خيانة، هو لَـعَمْري الممارسة الأخطر والموقف المجحِف الذي يخدم العدوان بقصد أو بدون قصد؛ فالمواطنون الصامدون في صنعاء وبقية المحافظات هم الحاضنة الحقيقية للصمود، وهم مَنْ قدموا التضحيات وقوافل الشهداء والجرحى، وهم أنفسهم المرابطون في الجبهات..
إن السكوت على الجوع بعد هذه السنين الطوال من الصبر ليس وطنية، بل هو استسلامٌ وتطبيعٌ مع الحصار والعدوان..
لذا، يجب أن تُـفهَم صرخة "أنا جائع" في سياقها الصحيح والدقيق: إنها إدانة صريحة ومباشرة لدول العدوان التي حاصرت البلاد، وقطعت المرتبات، ونهبت الثروات السيادية..
خطاب القيادة في صنعاء.. الانحياز المطلَـق لكرامة الشعب
وسط هذا السّجَال العقيم ومحاولات إلجام الأصوات، جاء الخطاب الوطني الشجاع لقائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي (أبو جبريل) ليضع حداً قاطعاً للتفسيرات الخاطئة والمبالَغات غير المسؤولة، وليتردد صدى كلماته في عموم الجمهورية اليمنية والميادين والساحات..
لقد وقف القائد منحازاً بشكل مطلَـق لمعاناة شعبه، رافضاً بوضوح تجويعه أو المتاجَرة بأوجاعه، وقالها بكل وضوح وصراحة: "الشعب جائع ومحاصَر، وثرواته السيادية ومرتباته تُنهَب وتُصادَر من قِـبَل دول العدوان".. ووصَفَ الحال بدقة مأساوية حين أشار إلى أن المعاناة وصلت ببعض أبناء الشعب إلى عجزهم عن توفير وجبة كاملة، أو اضطرارهم للاعتماد على تَناوُل أوراق الشجر للعيش للبقاء؛ فكان القائد هو الصوت الأقوى والأصدق في تعرية العدوان ومخططاته التدميرية..
من خفض التصعيد إلى التفويض الشعبي.. العيش الكريم أو الخيارات الاستراتيجية
لقد أكد القائد -وهو الذي يعيش نبض الأمة ويسعى بمسؤولية لإخراجها من هذه الضائقة- أن واقع "خفْض التصعيد" الحالي (حالة اللاحرب واللاسلم)؛ لم يعد مقبولاً على الإطلاق إذا استمر كغطاء لتجويع الشعب وتحويل الملف الإنساني والاقتصادي إلى أداة حرب بديلة لتركيع اليمنيين..
ومن هنا، جاء الخروج المليوني المهيب للشعب اليمني في "جمعة التحذير والنفير"، ليعلن تفويضاً كاملاً ومطلقاً لقائد الثورة لاتخاذ كافة الخيارات الاستراتيجية والعسكرية الكفيلة بالخلاص من حصار الجوع والتجويع؛ لقد اختار الشعب بوعيه وتفويضه أن يكسر القيود، وأن يرفض خطط الأعداء الذين أرادوا له أن يموت بصمتٍ دون أن يملك حتى حق الصراخ بأنه "مريض" أو "جائع"..
وأخيرًا :
إن رفض الظلم والعدوان وإنكار الجوع ليس عَمالة، بل هو الدافع الحقيقي والوقود الحيوي نحو مواجهة العدوان ورفْض جرائمه المُذِلة.
|