الميثاق نت -

الثلاثاء, 28-يوليو-2026
د. علي أبو حليقة * -
(المؤتمر الشعبي العام بين النظرية والتطبيق) .. دراسة فكرية تحليلية تتناول ابرز مضامين الميثاق الوطني ومحطات في مسيرته للدكتور علي أبو حليقة عضو اللجنة العامة الوزير السابق لشئون مجلسي النواب والشوري.
(الميثاق) تنشر الدراسة في حلقات..

في 22 مايو لسنة 1990م اجتمع مجلسا الشعب والشورى في قاعة فلسطين بعدن وبحضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات؛ ووسط جلسة تاريخية تم إعلان قيام الجمهورية اليمنية وأُنزلت أعلام الشطرين ليرتفع بدلا عنهما عَلم اليمن الواحد، كما تم في هذه الجلسة التاريخية اختيار مجلس رئاسة من خمسة أعضاء، وقد تولى الفريق علي عبدالله صالح الأمين العام للمؤتمر الشعبي العام (رئيس المؤتمر حالياً) رئاسة مجلس الرئاسة وعلي سالم البيض نائباً للرئيس.. لتدشين مرحلة نضالية وحدوية جديدة لا في تاريخ الشعب اليمني فحسب بل في تاريخ الوطن العربي..
ولنا من خلال هذا أن نتبين دور المؤتمر الشعبي العام في تحقيق هذه الإنجازات العظيمة.. وللمؤتمر أن يكتب في سِجِل تاريخه ما يجعله تجربة فكرية وتنظيمية قامت بما استطاعت أن تحققه في العمل السياسي وفي ظروف صعبة وتطورات متلاحقة وطنياً وقومياً ودولياً، وأن يلعب دوراً إيجابياً في التعددية الحزبية والتنظيمية ما يجعلها أكثر التجارب العربية نجاحاً وتميُّزاً، يستحق البحث ويستحق الدراسة ويستحق التأمل ويستحق أنها تجربة المؤتمر الشعبي العام الفكرية نهجاً وممارسةً.. وإنجازاته الوطنية المختلفة..
انتقل بذلك اليمن الكبير الموحد إلى مرحلة جديدة من العطاء والنماء والإنجازات الكبرى ووجود فاعل على المستوى الوطني والإقليمي والدولي..

الفصل الثاني
المنجزات

أولاً: في النظام السياسي:
مثل قيام الوحدة اليمنية المباركة نقلة تحول تاريخية لا في تاريخ اليمن فحسب بل في تاريخ المنطقة العربية كلها.
وذلك أنها أنت في وقت تتشرذم فيها الأوطان وتتجزأ وحدتها الوطنية والوحدة الجغرافية المتمثلة بالأرض والإنسان..
ونحن اليمانيين بعون الله وتوفيقه وبعزم القيادة السياسية ممثلةً بالأخ القائد المؤسس لحزبنا (المؤتمر الشعبي العام) ورئيس الدولة اليمنية قطعنا شوطاً مميزاً في تطوير النظام الدستوري وأصلنا في جوانب نظم الحكم عدداً من القواعد الدستورية وإرساء النظم المؤسسية أي نظام المؤسسات الدستورية.
وإزاء ذلك أجريت في عهد الوحدة المباركة عدداً من الخطوات في تأصيل العمل المؤسسي ومنها وضع نظام دستوري متميز من خلال إقرار دستور دولة الوحدة ومروراً بالتعديلات الدستورية لمرتين كل ذلك ما عكس بل وأصل لنظام دستوري وسياسي أمثل, فعلى سبيل المثال لا الحصر لقد أخذت بلادنا بالنظام السياسي الأمثل فيما يتعلق بشكل رئاسة الدولة, والذي يعد هذه الأيام بمثابة جدل من قبل بعض أحزاب المعارضة وهو جدل غير موفق ولا يستند إلى رؤية دستورية وسياسية مثلى.
وهو جدل أيضا لا يأتي من منظور وطني بل من منظور معارض لأجل المعارضة الترا فقط ومحاولة فرض ضغوط للوصول إلى حوارات ونقاشات لا تستند إلى الثوابت الوطنية التي أجمع اليمنيون عليها, وأهمها النظام الجمهوري, والوحدة والديمقراطية, ونظام المؤسسات الدستورية القائمة على الشرعية الدستورية والإجماع الوطني.
فتغيير شكل رئاسة الدولة وتركيز السلطة المطلقة في يد السلطة التنفيذية وغير ذلك مما تدعوا إليه بعض أعضاء اللقاء المشترك كل ذلك من قبيل المحاكاة بل والمماحكات اللامسئولة أو كمن يحرث في البحر.
فبتلك الرؤية أو النظرة إلى نظام الحكم أو إلى شكل رئاسة الدولة أو ما قيل بتغيير شكل النظام السياسي, الأمر الذي يحتم علينا في المؤتمر الشعبي العام ما نقف وقفة جادة حول تلك المزاعم والمحاكاة اللامسئولة واللامعقولة أيضاً من خلال إعداد الردود والمقالات والدراسات والبحوث لتفنيد تلك المزاعم أو الأطروحات ولو بصورة مختصرة ولضيق الوقت حاولت في هذه الدراسة إعداد القليل حول ما تردده المعارضة من الاتجاه إلى تغيير نظام الحكم وهذا في الواقع مصطلح لا يمكن مناقشته من حيث المبدأ والذي يعني تغيير النظام برمته بمعنى من نظام جمهوري ديمقراطي مثلاً إلى نظام آخر ملكي أو استبدادي, وإلا فالمصطلح الحديث في النظم السياسية الحديثة يقال مثلاً تغيير شكل النظام السياسي, فإذا كان القصد كذلك بتحديد شكل نظام الحكم من نظام برلماني إلى نظام رئاسي أو العكس من نظام رئاسي نظام برلماني مثلاً, فهنا لابد ما نشير إلى الشكل الحقيقي في نظامنا السياسي كرد على ذلك، فشكل نظام الحكم في بلادنا والذي انتهجناه على الأقل من بعد قيام الوحدة المباركة, وفي ضوء دستور دولة الوحدة والتعديلات الدستورية التي جرت بعد ذلك, إنما يمثل النظام السياسي الأمثل لا هو نظام رئاسي تتركز السلطة المطلقة بيد رئيس الجمهورية ولا هو نظام برلماني تتركز فيه السلطة بيد البرلمان, ورئيس الدولة في بلادنا هو رئيس السلطة التنفيذية ولا يمثل سلطة ثالثة فنظامنا ينطلق من ثنائية السلطة وهذا ما هو معترف به لدى كثير من الأنظمة السياسية ويقره خبراء القانون الدستوري.
إذ هو نظام وسيط يجمع بين ثنائية السلطة أي أنه أحد ميزات النظامين وتجنب سلبيات كل منهما, ومنذ فترة طويلة أو على الأقل منذ بداية الوحدة اليمنية المباركة لم تشوب هذا النظام أي شائبة حتى اليوم بمعنى أنها سلطات متوازنة لا تطغى فيه سلطة على أخرى..
إذا ما بال أولئك المتسيسين والمتحزبين طرح مثل هذا دون الوقوف حول تلك الأفكار بالدراسة والبحث والتحليل فإذا ما عدنا وتمعنا في دستورنا (دستور الجمهورية اليمنية) وحاولنا وضع الاختصاصات والنصوص الواردة فيه والتي تحدد اختصاصات السلطة وتنظيم العلاقات بينهما في ميزان تجد أنه لن ترجح على الإطلاق في ذلك لسلطة على أخرى, وهذا النظام هو النظام المعمول به في كثير من الدول الديمقراطية المتقدمة في العالم, ولتأكيد هذا المبدأ من خلال تمحيص (دستور الجمهورية اليمنية) نجد أنه يحق للحكومة حل البرلمان كما يجوز للبرلمان سحب الثقة من الحكومة وبنفس الوقت يحقق مبدأ الفصل بين السلطات المواد (79, 80، 98, 101 ) من الدستور وهو نظام برلماني يطبق مبدأ التوازن والتكافؤ والسيطرة وهذا الاتجاه ما يؤكده الدكتوران محمد رفعت عبد الوهاب وإبراهيم عبد العزيز شيحا, حين يتحدثان في كتابهما النظم السياسية والقانون الدستوري عن المساواة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية (أن النظام البرلماني يقوم على أساس مبدأ الفصل بين السلطات) وهو فصل يقوم على المساواة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية إلى أن يقولا وهذه المساواة تفترض توازنا بين كلتا السلطتين, فلا تكون إحداهما خاضعة للأخرى, وإنما يكونان في نفس المستوى في كفتي الميزان, فلا ترجح كفة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية, ولا ترجح كفة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية إن الذي يكفل المساواة والتوازن بين هاتين السلطتين في الأنظمة البرلمانية فالسلطة التشريعية تملك سحب الثقة من الوزارة أي الحكومة, والسلطة التنفيذية لها حق حل السلطة التشريعية.
وهذا المبدأ الأمثل في نظام الحكم هو ما يأخذ به نظامنا السياسي كما أكد على ذلك الدستور في مواده, وعموما نقول أن ما ورد فيما أسمته المعارضة بالإصلاحات السياسية الشاملة لا يعبر عن رؤية موضوعية دستورية وسياسية, وإنما مجرد أفكار أخذت من هنا وهناك بغية إحباط التوجه الديمقراطي العقول والسياسي الذي نعيشه ومعظم تلك الرؤى مجرد كلام إنشائي وكان لابد من الرد على تلك المزاعم لولا ضيق الوقت ولكي تكون الرؤية اوضح في نظامنا السياسي لابد من الاشارة الى الأسس والمبادئ التي حددها الميثاق في مجال النظام السياسي ولنا امل في اعداد دراسة كافية في هذا الموضوع، واليكم بعضاً من المرتكزات كما حددها الميثاق الوطني نظريتنا في الحكم.
الميثاق الوطني مثل تأصيلاً للنظام السياسي الحديث:
إن نضرتنا الميثاقية, الأيديولوجية السياسية والفكرية للمؤتمر الشعبي العام قد حددت الأسس والمبادئ والفلسفات الدستورية في نظام الحكم حيث حدد العديد من الأسس, وهو ما يتطابق إلى حد كبير مع النظم الدستورية الحديثة, ولضيق الوقت نشير إلى بعض المرتكزات الدستورية والديمقراطية المتعلقة بالنظام السياسي أو شكل نظام الحكم، وهو ما يؤكد أن المؤتمر الشعبي العام وميثاقه الوطني قد أصل تأصيلاً دستوريا لنظام سياسي متقدم وعلى سبيل المثال, أوجز ذلك بالآتي:

أولاً: الفصل بين السلطات:
إن المؤتمر الشعبي العام وهو يمارس نشاطه العام من خلال المؤسسات الدستورية ومن خلال خوضه نشاطه السياسي إنما يحتكم في ذلك وينطلق من مفاهيم وأهداف الميثاق الوطني التي تمثل نظرية المؤتمر الشعبي العام في ممارسته للسلطة السياسية والتنفيذية.
لذلك ورداً على ما تزعمه بعض أحزاب المعارضة فإن الميثاق الوطني يؤكد على مبدأ الفصل بين السلطات وذلك بما يتماشى فعلاً مع الأسس الدستورية والنظم السياسية الحديثة في هذا الجانب، عندما أكد الميثاق على (إن الديمقراطية تتنافى مع تركيز السلطة في يد فرد واحد أو في يد مجموعة من الأفراد بل يجب أن يقوم على المؤسسات الدستورية المتمثلة في السلطة التشريعية) وهي مجلس النواب. السلطة الممثل للشعب والسلطة التنفيذية التي تمثل الحكومة المسئولة أمام مجلس النواب, السلطة القضائية التي لا تخضع إلا للشرع والقانون، وهكذا نجد الميثاق الوطني يأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات كضمان الحماية السلطة وفق مؤسسات دستورية ولكى لا تطفى سلطة على أخرى وهو ما أكده خبراء القانون الدستوري والنظم السياسية الحديثة.

المؤسسات الدستورية:
كما دعا الميثاق إلى ضرورة وجود السلطات الدستورية لكي نطلق على نظامنا صفة النظام الديمقراطي النيابي أما إذا لم توجد تلك السلطات فإن النظام يتحول إلى حكم فردي لا يسمى دولة إلا على سبيل المجاز.
وهنا يقول الميثاق:
(ومن هنا فإننا عندما نتحدث عن الدولة وعن الحكم فإننا نقصد مجموعة المؤسسات الدستورية ولا نقصد بها فرداً أو أفراداً يحكمون فحكم الفرد أو الأفراد الذي لا توجد فيه مؤسسات دستورية لا يسمى دولة إلا على سبيل المجاز).

عدم الخروج عن الحاكم:
لأن الميثاق الوطني يدرك أن الديمقراطية تعني ضوابط والتزام ولا تعني الفوضى الحزبية, ولذلك أشار إلى عدالة الحاكم وعلاقته بالمحكومين, ولما قد يترتب على ذلك من سوء في العلاقة بينهما لعدم تحديد العلاقة بين حقوق واجبات كل منهما إزاء الآخر, لذلك فالميثاق الوطني في نظريته الديمقراطية أشار إلى طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها طبيعة متكافئة, فبالرغم من تعريف الديمقراطية في الميثاق بأنها تعني أن الدولة بمختلف سلطاتها حق الشعب, فإن الحاكم يتولى الحكم نيابة عن المحكومين وفي نفس الوقت هم المرجع النهائي, ولكن لأنهم اختاروه فيجب عليهم عدم الخروج عليه, بإثارة الفتنة والقلاقل أو ممارسة المعارضة بوسائل غير مشروعة كما أنه ليس للحاكم أن يمارس على المحكومين أساليب التعسف والطغيان, لأنه بهذا يكون قد عن الشروط التي اختاره الناس على أساسها لحكمهم.
وفي ذلك يقول الميثاق: (والحاكم يتولى الحكم عن المحكومين, والشعب هو المرجع في كل سلطان ليس لأحد حق العسف والطغيان ولا لأحد حق الفتنة والعصيان, أي ليس لأحد حق الحكم أو حق المعارضة خارج الضوابط والقواعد والأصول الديمقراطية المحددة في هذا الميثاق ولهم في نطاقها حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل فيما يعلم وحسبما يستطيع).



*عضو اللجنة العامة للمؤتمر - عضو مجلس النواب - الوزير الأسبق لشئون مجلسي النواب والشورى
تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 21-أكتوبر-2026 الساعة: 03:40 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69168.htm