الميثاق نت -

الإثنين, 13-يوليو-2026
د. علي أبو حليقة * -
(المؤتمر الشعبي العام بين النظرية والتطبيق) .. دراسة فكرية تحليلية تتناول ابرز مضامين الميثاق الوطني ومحطات في مسيرته للدكتور علي أبو حليقة عضو اللجنة العامة الوزير السابق لشئون مجلسي النواب والشوري.
(الميثاق) تنشر الدراسة في حلقات..

القسم الثالث : إنجازات المؤتمر الشعبي العام


الفصل الأول

في مجال إعادة تحقيق الوحدة اليمنية

أولاً: الوحدة وتجربة القائد المؤسس في نهج الحوار السياسي:
جاء عهد الأخ الرئيس علي عبدالله صالح -رئيس الجمهورية- بعد كل التطورات والأحداث التي شهدتها صنعاء وعدن، وجميعها لا شك كان لها الأثر على قضية الوحدة والتطورات برمتها، خاصةً وأن الوحدة جوهر الأحداث، فأدرك الأخ الرئيس أهمية بل وضرورة اتجاهه نحو الوحدة بأنشطة سياسية وفق خطوات مرتبة ومنسقة، فبدأ بخَيار الحوار السلمي في قضية الشعب اليمني كقضية مركزية هي إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، وذلك بعد المواجهة المسلحة بين الشطرين في عام 1979م التي كان لها تأثير في التفكير الوطني وفي القرار السياسي تجاه الوحدة وصولاً إلى إنهاء التشطير، والنظر بوعي إلى أبرز معوقات الحوار.. فجاء لقاء القمة اليمني في مارس 1979م التي انعقدت في أجواء المواجهة المسلحة وانعكاساتها على الواقع الوطني، على الرغم من كل المحاولات الهادفة إلى الوحدة منذ اتفاقية القاهرة وبيان طرابلس ولقاءات القمة في خارج الوطن وداخله واللقاءات اليمنية على كافة المستويات وما صاحب ذلك من إنشاء آليات سياسية، كما أنشأ لجاناً مختلفة تتعلق بشئون الوحدة، وعلى الرغم من ذلك فقد حدثت المواجهة المسلحة الثانية، وتَحمَّل الوطن طعنة جديدة في أحلامه وتفاؤله وتطلعاته؛ لذلك حدث التطور في النهج السياسي في صنعاء وكان لا بد من تَجاوز الظروف التقليدية المعتادة والممارسة السابقة والدخول في تجربة سياسية تتعلق بالتجربة السياسية والتنظيمية، وكيف يمكن الأخذ بتجربة تنسج من الواقع اليمني وخصوصيته وواقع الوجود (الخفي) للعمل الحزبي، وضرورة أن يكون للوطن تجربة ديمقراطية وحرية في ممارسة العمل السياسي، وأن يتم ذلك بما لا يتعارض مع الدستور الذي كان يحرم التعددية الحزبية..
وفي الواقع المعيش كانت الصعوبة بارزة في التعامل مع هذه التجربة أو هذا التوجه دون تعديل للدستور، وأثناء تلك الفترة شكلت لجنة في عام 1979م الإعداد مشروع الميثاق الوطني والتي سميت لجنة الحوار التي اضطُلعت بالصياغة النهائية للميثاق والإعداد للحوار الوطني، والتي سبقت لجنة الحوار الوطني والاستفتاء على الميثاق عام 1982م؛ ولقد نجح الحوار الوطني منذ عام 1979م حتى عام 1982م واستطاعت هذه التجربة أن تُؤتي ثمارها بصورة ربما لا مثيل لها على الأقل في الواقع العربي، إذ استطاعت أن تكفل الحرية السياسية في إطار تنظيم واحد هو (المؤتمر الشعبي العام).. وهنا تكمن الصعوبة ويكمن النجاح معاً..
ويكفي من هذه التجربة أنها استطاعت أن تضطلع بمسئولية الحوار السياسي والتنظيمي تجاه إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، وأن منتهى الصعوبة التي كانت تقف أمام النظام في صنعاء والنظام في عدن على السواء، صنعاء لأنها لا تمتلك التجربة التنظيمية في عملها السياسي الرسمي، ولذلك لأنها غير قادرة على القيام بهذا الدور على الوجه الأكمل، وعدن لأنها تمتلك التجربة وتريد أن تعرضها على صنعاء، تصعب إجماع لجنة التنظيم السياسي الموحد، والذي اتفق عليه في قمة طرابلس عام 1972م والذي تطرق إلى إنشاء تنظيم سياسي موحد الذي نص عليه البند التاسع من بيان طرابلس – والذي نص على:
«ينشأ تنظيم سياسي موحد يضم جميع فئات الشعب المنتجة صاحبة المصلحة في الثورة للعمل ضد التخلف ومخلفات العهد الإمامي والاستعماري وضد الاستعمار القديم والجديد (الصهيونية) وتشكل لجنة مشتركة لوضع النظام الأساسي للتنظيم السياسي ولوائحه مستهدية بالنظام الخاص بإقامة الاتحاد الاشتراكي العربي في الجمهورية العربية الليبية، وعلى ضوء مناقشته من قِـبَل فئات الشعب»..
ووقف الأمر تقريباً عند هذا الحد بحيث لم تجتمع لجنة التنظيم السياسي المنصوص عليها في طرابلس حتى قيام المؤتمر الشعبي العام، وبعد أن مر المؤتمر الشعبي العام بتجربة عملية في مجال العمل السياسي, ومن خلال تكويناته ومن خلال مؤتمره الأول، والثاني والثالث، حتى جاء المؤتمر العام الرابع عام 1988م ليقف بمسئولية تجاه مبدأ الحوار الوحدوي، وأن يأخذ على عاتقه من خلال لجنة التنظيم السياسي الموحد الحوار المباشر مع الحزب الاشتراكي في عدن فقد تحقق من خلال قيام المؤتمر الشعبي العام التكافؤ الذي كانت تفتقره صنعاء ما قبل عام 1982م..

ثانياً: المؤتمر الشعبي العام والتهيئة الحزبية:
بعد أن أعلن عن قيام المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس 1982م كتنظيم سياسي في الشطر الشمالي قبل الوحدة المباركة, وإقرار الميثاق الوطني كنظرية وأيديولوجية سياسية ودليل عمل للمؤتمر الشعبي العام، الذي نص تعريفه على أنه أسلوب العمل السياسي، ويظم ممثلين عن الشعب بمختلف فئاته الوطنية، ضمن منهج فكري عام يجسده الميثاق الوطني حيث بلغ عدد أعضائه المؤسسين ألف عضو..
نسبة 70٪ من مجموع الأعضاء ينتخبهم المواطنون مباشرةً ووفقاً لأحكام النظام الأساسي للمؤتمر الشعبي العام..
ونسبة 30٪ من مجموع أعضاء المؤتمر تعينهم القيادة السياسية من ذوي الكفاءات والقيادات السياسية والشخصيات الاجتماعية وهذه النسبة أتاحت المجال في حينه للقيادة السياسية (رئاسة المؤتمر) بهدف إدماج القوى السياسية المنظمة في إطار المؤتمر والتي قد لا يحالفها الحض في التأطير ضمن المؤتمر والنجاح في الانتخابات التنظيمية آنذاك..
وقد حرص القائد المؤسس الرئيس علي عبدالله صالح رئيس المؤتمر رئيس الجمهورية على إشراك كل القوى السياسية المنظمة وغير المنظمة في المؤتمر بعد أن كانت تلك القوى السياسية المنظمة تعمل في الخفاء، وبذلك شكل المؤتمر الشعبي العام إطاراً تنظيمياً عاماً لكل القوى الفاعلة في المجتمع فكانت المشاركة بالصفة الشخصية.

ثالثاً: المؤتمر الشعبي العام والوحدة:
كانت الدورة الرابعة للمؤتمر الشعبي العام عام 1988م جداً مهمة من حيث أنها وقفت أمام تجارب المؤتمر في دوراته السابقة وأقرت وثيقة عامة هي وثيقة برنامج العمل السياسي للمؤتمر التي جاءت مكملة ومواكبة لنهج الميثاق الوطني، والذي جاء في الوثيقة تلك أن التجزئة والتشطير (اليمن) هما أهم عوامل التخلف والضعف والتدهور..
وأكدت تلك الوثيقة أن اليمن في ظل التجزئة والتشطير سيكون مهدداً في استقلاله وسيادته واقعة واستقراره، بل إن ما غزت أو تم احتلاله أو احتلال جزء منه إلا في ظل التجزئة والتمزق وغياب الوحدة، وأنه قد سقطت جدران التجزئة بسقوط الإمامة وطرد الاستعمار..
كما جدد المؤتمر العام الرابع للمؤتمر الشعبي العام في دورته تلك المهام الوحدوية للفترة القادمة ومنها استكمال تنفيذ ما تم عليه الاتفاق في مايو 1988م، وذلك فيما تعلق بإنجاز دستور دولة الوحدة، وإحالته للمؤسسة التشريعية للشطرين) مجلسي الشورى والشعب) كي يتم الاستفتاء عليه أثناء استئناف المجلس الأعلى نشاطه الوحدوي إثر لقاء الأمينين العامين للمؤتمر الشعبي العام علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية العربية اليمنية آنذاك والحزب الاشتراكي أمينه العام علي سالم البيض، في إبريل 1988م..
كما ركزت الدورة الرابعة للمؤتمر لنهج تطبيقي مباشر ومقدمة عملية سبقت الوحدة المباركة بالتأكيد على فهمه تسهيل حركة النقل وتنقل المواطنين بين الشطرين من خلال اللجان الوحدوية..
ولقد كانت مهمة المؤتمر الشعبي العام الرئيسية في ذلك المؤتمر (الدورة الرابعة) كمهمة سياسية وتنظيمية نشطة هي متابعة نشاط المؤسسات الوحدوية من ضمنها المجلس اليمني الأعلى واللجنة الوزارية المشتركة، وكان ذلك في الواقع العمل المعاش أمراً بالغ الأهمية.. حيث إن المؤتمر الشعبي العام.. قد أوكل إلى نفسه مسئولية العمل الدؤوب والمخلص لها وسعى إلى إعادة تحقيق الوحدة، والسبق مع الحزب الاشتراكي اليمني (في الشطر الجنوبي سابقاً) من خلال فئاته الوطنية المنطوية ضمن المؤتمر الشعبي العام عندما التحقت في إطار المؤتمر مختلف القوى السياسية والتي كان دورها مشكوراً في هذا الجانب..
ولذلك فإن المؤتمر الشعبي العام قد أبدى مرونة سياسية كبيرة من خلال ضمه مختلف القوى السياسية المنظمة وغير المنظمة منها الجبهة الوطنية الديمقراطية المناوئة للسلطة في توليفة سياسية، ومن ثم مد يده إلى الحزب الاشتراكي فيما بعد، ومنها تم التوقيع على اتفاقية 30 نوفمبر 1989م برغم التعارض الأيديولوجي بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي الذي ظل قائماً وذلك بصورة نسبية، وإذا ما أخذنا بالنظر إلى تعاون الحزب الاشتراكي هو الآخر من خلال الاعتراف المتبادَل أمام دمج التنظيمين السياسيين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي في تنظيم واحد، فهي الحلقة المفقودة في الوحدة السياسية التي قامت في 22 مايو لسنة 1990م إذ توصلا الجانبان إلى إبقاء كلا التنظيمين كما كانا عليه قبل قيام دولة الوحدة، وهذا خلافاً لما تم الاتفاق عليه في بيان طرابلس الذي أكدت المادة التاسعة فيه (على إنشاء حزب سياسي موحَّد يضم جميع فئات الشعب).
وقد كانت رؤية المؤتمر الشعبي العام أنه لم يكن هناك من طريق لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية إلا بالحوار السلمي، فترسخت لديه القناعات بمشاركة الحزب الاشتراكي اليمني في ذلك وفي ضوء ذلك اجتمعت لجنة التنظيم السياسي الموحدة في مدينة تعز في الفترة (21 أكتوبر - 2 نوفمبر 1989م) وناقشت أربعة بدائل للعمل السياسي المشترَك الذي يمكن أن تسلكه دولة الوحدة، وهي:

• البديل الأول:
دمْج المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني في تنظيم واحد..

• البديل الثاني:
احتفاظ التنظيمين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني باستقلاليتهما، مع إعطاء القوى الوطنية والقوى الأخرى والشخصيات الاجتماعية والسياسية الحرية في ممارسة نشاطهم..

• البديل الثالث:
أن يحل المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني ويتركا الحرية لقيام تنظيمات أخرى.

• البديل الرابع:
قيام تنظيم سياسي على قاعدة جبهة وطنية عريضة يضم المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني والقوى الوطنية المؤمنة بأهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر.. ورغم العقبات التي تمثلت باختلاف وجهات النظر، فإن لجنة التنظيم السياسي الموحد اجتمعت في عدن بين 8 – 10 يناير 1990م وأقرت اختبار البديل الثاني.

*عضو اللجنة العامة للمؤتمر - عضو مجلس النواب - الوزير الأسبق لشئون مجلسي النواب والشورى


تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 21-أكتوبر-2026 الساعة: 04:23 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69113.htm