مصطفى بن خالد - لا يمكن قراءة مقال الدكتور عبدالوهاب الروحاني بوصفه نصاً سياسياً عابراً أو مجرد احتجاج على الأداء الحكومي، بل باعتباره محاولة لتشخيص أزمة بنيوية عميقة تضرب مفهوم الدولة ووظيفتها في اليمن..
فالنص لا يهاجم أشخاصاً بقدر ما يهاجم نموذجاً كاملاً من الحُكم تَشكَّـل خلال سنوات الحرب، حيث جرى استبدال فكرة الدولة بفكرة السلطة، واستبدال المصلحة العامة بمنظومة مصالح ضيّقة، وتحويل المؤسسات إلى هياكل شكلية منفصلة عن وظائفها الأصلية..
ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار المقال أقرب إلى بيان اتهام ضد فشل الدولة الوظيفية أكثر منه ضد حكومة بعينها..
أولاً: أزمة الرشد السياسي
العنوان الذي اختاره الروحاني:
“هل من رشيد بينكم؟”..
ليس سؤالاً لغوياً أو بلاغياً..
في الأدبيات السياسية، يشير مفهوم الرشد السياسي إلى قدرة النخب الحاكمة على:
٠ إدراك المصلحة الوطنية.
٠ اتخاذ القرار العقلاني.
٠ إدارة الموارد بكفاءة.
٠ الموازنة بين السلطة والمسؤولية.
وعندما يكرّر الكاتب الحديث عن غياب العقل والرشد، فهو لا يصف نقصاً فردياً في الكفاءة، بل يشير إلى أزمة قيادة شاملة..
فالدولة لا تفشل عادةً بسبب نقص الموارد فقط، وإنما بسبب عجز النخبة الحاكمة عن تحويل الموارد والإمكانات إلى سياسات عامة تحقق المصلحة الوطنية..
ثانياً: انهيار الوظيفة الأساسية للدولة
يمكن اختزال جوهر المقال في فكرة واحدة:
السلطة موجودة، والدولة غائبة..
فالروحاني يعيد تعريف مهمة الحاكم في وظيفتين:
1. تحقيق الأمن والسلام.
2. حماية السيادة الوطنية.
وهذا يتوافق مع التعريفات الكلاسيكية للدولة الحديثة لدى:
٠ ماكس فيبر.
٠ توماس هوبز.
٠ المدرسة المؤسسية الحديثة.
لكن الكاتب يرى أن السلطة اليمنية أخفقت في المهمتين معاً، فالأمن مفقود،
والسيادة منقوصة..
وبالتالي فإن الدولة فقدت مبرّر وجودها الوظيفي..
ثالثاً: من الدولة إلى نظام المحاصصة
واحدة من أخطر القضايا التي يطرحها المقال هي أن مؤسسات الدولة لم تعد تُدار بمنطق الكفاءة، بل بمنطق:
٠ الحصة.
٠ القرابة.
٠ الولاء.
٠ الصداقة.
٠ الانتماء الضيّق.
وهنا ننتقل من مفهوم:
الدولة المؤسسية إلى مفهوم:
الدولة الزبائنية..
أي الدولة التي تتحول فيها الوظائف العامة إلى مكافآت سياسية وشخصية بدلاً من كونها مسؤوليات وطنية..
وهذه من أبرز سمات الدول الهشة والفاشلة في العلوم السياسية..
رابعاً: السلطة بلا سيادة
من أكثر الأفكار تكراراً في النص الحديث عن:
٠ الكفيل.
٠ التبعية.
٠ التدخُّل الخارجي.
وهنا يلامس الروحاني قضية السيادة..
ففي النظرية السياسية لا تُـقاس السيادة بالشعارات، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها بحرية..
والكاتب يلمّح إلى أن جزءاً كبيراً من الأزمة اليمنية يتمثل في:
وجود سلطة تحمل الألقاب، بينما القرار الحقيقي يُصنَع خارجها..
وهذا ما يفسّر وصفه لبعض القيادات بأنها:
“مسلوبة الإرادة والقرار”..
خامساً: اقتصاد الحرب وإعادة إنتاج الفشل
رغم أن الروحاني لم يستخدم مصطلح “اقتصاد الحرب” صراحةً، إلا أن المقال كله يدور حول هذه الفكرة..
فبعد أكثر من عَقْد من الصراع ظهرت طبقات جديدة:
٠ مستفيدة من الحرب.
٠ متكـيّفة مع استمرارها.
٠ غير متضرّرة من نتائجها.
وفي مثل هذه البيئات تتحول الحرب من حالة استثنائية إلى:
نظام مصالح متكامل..
وعندما تصبح الحرب مصدر نفوذ وثروة، تتراجع الحوافز الحقيقية لإنهائها..
سادساً: الدولة الورقية
يقدم الروحاني وصفاً دقيقاً لما يسمّيه علماء السياسة:
الدولة الورقية..
فهو يتحدث عن:
٠ وزارة دفاع دون دفاع.
٠ وزارة داخلية دون أمن.
٠ وزارة كهرباء بلا كهرباء.
٠ وزارة إعلام لا تدافع عن الوطن.
أي أن المؤسسات موجودة شكلياً، لكنها منفصلة عن وظائفها الحقيقية..
وهذه من أبرز سمات الدول التي تعاني من التآكل المؤسسي..
سابعاً: انفصال النخبة عن المجتمع
من أخطر ما يكشفه المقال وجود فجوة متزايدة بين:
٠ الحاكم والمحكوم.
٠ السلطة والمجتمع.
فبينما يعيش المواطن:
٠ الفقر.
٠ الجوع.
٠ انقطاع الرواتب.
تعيش قطاعات من النخبة في:
٠ الفنادق.
٠ المنتجعات.
٠ العواصم الأجنبية.
وهنا لا تصبح الأزمة اقتصادية فقط، بل أخلاقية أيضاً..
ثامناً: التهمة الأخطر في المقال
التهمة الحقيقية التي يوجّهها الروحاني ليست الفساد، وليست سوء الإدارة، وليست التبعية، بل شيئاً أخطر بكثير:
خيانة الوظيفة الوطنية للدولة.. فالدولة وُجِدت لحماية المجتمع..
وحين تتحول إلى أداة لحماية النخبة الحاكمة فقط، فإنها تفقد معناها التاريخي والسياسي..
الخلاصة:
هل من رشيد بينكم؟!
في جوهره العميق، لا يتحدث مقال الروحاني عن أزمة حكومة عابرة، ولا عن إخفاق إدارة أو تَـعـثُّر مرحلة سياسية محددة، بل يضع إصبعه على جوهر المأساة اليمنية: أزمة دولة، وأزمة نخبة، وأزمة معنى..
إنه لا يرثي سقوط المؤسسات بقدر ما يرثي غياب الفكرة التي تمنح المؤسسات شرعيتها، والضمير الذي يمنح السلطة معناها، والإرادة الوطنية التي تحوّل الدولة من غنيمة تتنازعها القوى إلى مسؤولية يتشارك الجميع في حمايتها..
فاليمن، في نظر المقال، لا يعاني من نقص الدساتير أو القوانين أو الهياكل الإدارية، بل من غياب العقل السياسي القادر على تحويل هذه الأدوات إلى مشروع وطني جامع، ومن انهيار منظومة القِـيَم التي تجعل من الدولة أمانة لا وسيلة للهيمنة، ومن الوظيفة العامة خدمةً لا امتيازاً، ومن السلطة تكليفاً لا غنيمةً..
ولهذا، فإن السؤال الذي طرحه الروحاني:
«هل من رشيد بينكم؟!»
ليس سؤالاً موجَّهاً إلى شخص بعينه، ولا إلى سلطة محددة أو جماعة دون غيرها، بل هو محاكمة سياسية وأخلاقية وفكرية لمرحلة كاملة، وللنخب التي تناوبت على إدارة الدولة، ثم تناوبت على إضعافها، حتى تحولت الجمهورية من مشروع بناء إلى ساحة صراع، ومن دولة مواطنين إلى خرائط نفوذ ومصالح متنازعة..
فأخطر ما يمكن أن تصل إليه الأمم ليس أن تفتقر إلى المال أو الموارد أو الإمكانات، وإنما أن تقع تحت إدارة نخب فقدت القدرة على التمييز بين الوطن بوصفه رسالة، والسلطة بوصفها غنيمة، وبين الدولة باعتبارها عَـقْداً أخلاقياً بين المواطنين، والنفوذ باعتباره وسيلة للسيطرة وتوزيع الامتيازات..
وحين تصبح الدولة مجرد وسيلة، ويتحول المواطن إلى رقم، وتصبح المناصب غاية لا أداة، فإن الانهيار لا يبدأ من الاقتصاد ولا من السياسة، بل يبدأ من انهيار المعنى نفسه..
وربما لهذا لم يكن سؤال الروحاني سؤالاً عن الأشخاص، بل سؤالاً عن الضمير الغائب، وعن العقل الرشيد، وعن تلك اللحظة التي تستعيد فيها النخب قدرتها على إدراك أن الأوطان لا تُدار بمنطق الغَـلَـبة، ولا تُبنى بالمحاصَصة، ولا تُنقَذ بالارتهان، بل تُبنى بالعقل، وتُحفَظ بالعدل، وتستمر حين ينتصر فيها معنى الدولة على شهوة السلطة..
فحين يغيب الرشد، لا تضيع الحكومات فقط بل تضيع الأوطان.
|