الميثاق نت -

الأحد, 21-يونيو-2026
د. علي أبو حليقة * -
(المؤتمر الشعبي العام بين النظرية والتطبيق) .. دراسة فكرية تحليلية تتناول ابرز مضامين الميثاق الوطني ومحطات في مسيرته للدكتور علي أبو حليقة عضو اللجنة العامة الوزير السابق لشئون مجلسي النواب والشوري.
(الميثاق) تنشر الدراسة في حلقات..

يمكن أن نحدد الموقع الذي بلغه الميثاق الوطني من الشمول والكمال، مادام وقد تميَّز عما سواه بكونه نتاج جهود بشرية جماعية ذات خبرة وتجارب ومعارف واسعة محصنة بتعاليم الإسلام الحنيف وملتزمة بمنهجه المعصوم..
فالولاء الوطني في الميثاق الوطني يعد من أهم النقاط التي ينبغي التأكيد المستمر عليها، كلما تعرضنا لخصوصيات الميثاق لأنها أبرزها على الإطلاق؛ والنقطة الثانية تتلخص في طبيعة التعامل مع أفكار ومضامين الميثاق باعتبارها تمثّل وحدة كلية، وإطاراً لمنهج فكري مترابط الأجزاء والعناصر، يستمد كل عنصر من عناصره فعاليته وقيمته وجدواه من مجموع العناصر والأجزاء الأخرى مع ما بين تلك العناصر من علاقات وثيقة تأثُّراً وتأثيراً..
أولاً: الولاء الوطني والوحدة الوطنية:
في جانب الولاء الوطني يجدر بنا أن نستهل الحديث عن المنطلقات الوطنية التي تضمنها الميثاق الوطني- بنصوص ميثاقية- يقول الميثاق الوطني في الباب الثالث "الإنسان والوطن" مؤصّلاً للمنطلقات الوطنية بالنص الآتي:
((الولاء الوطني مبدأ شريف لا ينسجم بأي حال من الأحوال مع التبعية أياً كان شكها أو نوعها، ففي ظل الولاء الوطني يتمكن الشعب من التفاعل والتلاحم الطبيعيين، انطلاقاً من تمسكه بأهداف ثورة الـ26 سبتمبر ومن شعوره بالانتماء إلى وحدة اجتماعية متماسكة متميّزة بالعقيدة الإسلامية، تتحقق فيها الممارسات الديمقراطية البناءة والحياة الحُرة الكريمة))..
والولاء الوطني بمفهومه هذا ولاء لله، وعلى ذلك كان حب الوطن من الإيمان والدفاع عن الوطن دفاع عن العقيدة، والتخلّي عن الوطن تخلٍّ عن العقيدة (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أنْ تولوهم، ومَنْ يتولهم فأولئك هم الظالمون)(الممتحنة/9)..
وهكذا فالولاء الوطني ليس شعاراً غامضاً مهزوزاً في ضمير الإنسان، ولكنه عقيدة تتجسد سلوكاً وممارسةً وعملاً..
وقد حدد الميثاق الوطني معايير الولاء الوطني بالآتي:

المعيار الأول:
يتمثل في الحفاظ على سيادة الوطن واستقلاله..

المعيار الثاني:
يتمثل في التمسك بأهداف ثورة 26 سبتمبر لسنة 1962م، وتجسيدها فكراً وسلوكاً في المحافظة على النظام الجمهوري وإرساء قواعده وأسسه الديمقراطية..

المعيار الثالث:
يتمثل في الحفاظ على الوحدة الوطنية والابتعاد عن التعصب الطائفي أو السلالي أو القبلي أو الحزبي..
مستدلاً بالحديث "ليس مِنا مَنْ دعا إلى عصبية"..
ثم يتطرق الميثاق في هذا الصدد إلى إرسال المبادئ الآتية:
- أن الوحدة الوطنية أساس الوحدة اليمنية والعربية..
- أن الحرية هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأي اعتداء عليها أو احتكار لها لا يعتبر مجرد اعتداء على حق من حقوق الإنسان والمجتمع فحسب، بل إنه تحدٍّ لإرادة الله..
إن التجارب والخبرات والمعارف، أو الظروف والملابسات الخارجية أو ما يعود تفاوته إلى كونه جهداً فردياً أو جماعياً، ومهما كان الأمر، فإننا نعتقد من واقع الحاضر والاستقراء التاريخي للماضي، أن كل فكر أو جهد بشري يحقق أكبر نجاح له بمقدار ارتباطه مفاهيمه ومنطلقاته لعقيدة الشعب التي صاغت ضميره والتي استمدت تلك الأفكار حصانتها وكمالها المنشود..

مفهوم الولاء الوطني في الميثاق:
إن الدخول في صلب الموضوع المطروح للدراسة، وهو مفهوم الولاء الوطني في الميثاق يتطلب الإلمام بخلفية فكرية مقتضبة- تكون بمثابة تمهيد بسيط يربطه بإطاره العام المتمثل بالميثاق الوطني، كما يرتبط الفرع بالأصل، والجزء بالكل، منطلقين في ذلك من فهمنا لحتمية ترابط أفكار الميثاق بعضها ببعض، ترابطاً يصعب معه المعالجة المستقبلية لأيٍّ منها بمعزل عن مجموع أفكار الميثاق وإطاره المنهجي..
ومما لا شك فيه أن الجهود البشرية في مجال الفكر والقِـيَم والمُـثُل يحقق كل منها نجاحاً، واستجابةً يتفاوت كمالاً ونقصاً من جهد الآخر، وفقاً لعدد من العوامل المؤثّرة في كل منها، ومن أهم العوامل المؤثّرة في تحقيق النجاح والتجاوب، ما يكون بين الناس من تفاوت في رصيد وقد عرض الميثاق الوطني مفهوم الوطن في إطار علاقته بعدد من المفاهيم الأخرى كالمفهوم العقائدي والسيادة والاستقلال الوطني، والوحدة الوطنية ومبادئ الثورة والحكم الديمقراطي، وفقاً لمنظوره الاجتماعي ومنهجه الشامل لمختلف جوانب الحياة..

أسس الولاء الوطني في الميثاق الوطني:

الولاء الوطني بمفهومه الميثاقي ولاء لله، وعلى ذلك كان حب الوطن من الإيمان، والدفاع عن الوطن دفاع عن العقيدة، والتخلّي عن الوطن هو تخلٍّ عن العقيدة، كما أكد الميثاق أن الولاء الوطني مبدأ شريف لا ينسجم بأي حال من الأحوال مع التبعية أياً كان شكلها أو نوعها وقد حدد الميثاق تلك الأسس بمعايير ثلاثة.
الأول: ويتمثل في الحفاظ على الوطن واستقلاله.
الثاني: ويتمثل بالتمسك بأهداف ثورة 26 سبتمبر 1962م وتجسيدها فكراً وسلوكاً.
الثالث: ويتمثل في الحفاظ على الوحدة الوطنية التي هي كما اعتبرها الميثاق الأساس للوحدة اليمنية.

ومن هذه النصوص يتجلى انفراده بخصوصيات في مجال تعريف الولاء الوطني وهي:
1- إن الوطن في نظر الميثاق معناه الأرض والشعب والعقيدة الإسلامية.
2- وبهذا المفهوم يكون الولاء للوطن (ولاء لله، ثم للوطن)..
3- كما يعني الحب والنصرة والدفاع عن الوطن (أرضاً وشعباً وعقيدة) إضافة إلى أن الميثاق حدد ثلاثة معايير كما سبق، والتي سنعرض لها بالشرح..
وفي الوقت ذاته جعل الميثاق التعامل مع هذه المعايير مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالإسلام- باعتباره الأساس العقائدي – والمنهجي للميثاق فهماً وتعاملاً، كما أن الولاء الوطني يعني رفض جميع أشكال وأنواع التبعية.
المعيار الأول: للولاء الوطني:
ويتمثل في الحفاظ على سيادة الوطن واستقلاله ، ولن نتمكن من ضبط تصورنا لكيفية الحفاظ على سيادة الوطن واستقلاله، إلا بتمثل صور التهديد المباشرة وغير المباشرة الداخلية منها والخارجية..
ذلك أن قضايا الصراع في ظل الشرعية الدولية والمعيشة اليوم وفي ظل سياسة القطب الواحد تشعر باستمرار بربط مصير الشعوب وفقاً لمصالحها ووفق عدة طرق ووسائل ومبررات؛ فتارةً يكون الغزو الفكري هو المدخل المناسب وهذا ما كان قائماً في ظل سياسة المعسكرين الشرقي والغربي، أما اليوم وفي ظل سياسية القطب الواحد فتعمقت ألوانٌ أخرى من السياسات والخداعات فتارةً باسم الإرهاب وأخرى باسم تفعيل الجانب الديمقراطي؛ والهدف البعيد هو السيطرة على الأوطان ونهب خيراتها وطمس المكونات الحضارية وخاصة الشعوب العربية والإسلامية والتدخل في الشئون الداخلية للشعوب..
وقد تتوسل التدخلات الخارجية تلك ببعض التنظيمات والأحزاب السياسية وتجعل منها وسيلة لتحقيق مصالحها، أو تجعلها قناعاً تخفي وراءه مطامعها، وقد تستعمل الضغط والحصار الاقتصادي؛ وهناك أمثلة كثيرة تمارَس في معظم دول العالم ومنها الدول العربية والإسلامية..
ولذلك فالميثاق الوطني قد تطرق إلى ذلك، واعتبر أن أي فرد ارتبط سياسياً أو فكرياً بقوى خارجية، وتحت أي شعار عميل وقع في عار التبعية الخارجية لخيانة الوطن..
وإذا كان الميثاق قد ربط التبعية أياً كان شكلها أو نوعها، فإن هذا لا يعني الدعوة للانغلاق أو الرفض المطلق لكل ما هو نافع ومفيد في مجالات العلوم الحديثة وغيرها، بما لا يتناقض مع عقيدتنا الإسلامية وسيادتنا واستقلالنا الوطني..
كما لا يعني ذلك أن ترفض مبدأ الانفتاح العلمي على كافة المجتمعات البشرية بهدف المزيد من استيعاب الخبرات والمعارف وفنون التقنية العصرية للاستفادة منها في بناء نهضتنا الحديثة..
ثم ينتقل الميثاق الوطني إلى مجال آخر ليضع تصوره للربط بين الميثاق الوطني الذي يحدد تصوراً واضحاً للربط بين المبدأ النظري والممارسات العملية، باعتبار أن المبدأ يظل حبيس الأوراق حتى يتجسد في شكل صور عملية وممارسات واقعية تعطيه روحه ومعناه، وتبعث في كلماته الحياة والتأثير في واقع المجتمع، ومن ثم ينتقل إلى مجال آخر مهم، حيث ينص على الضمانات التي يتجسد من خلالها مبدأ الحفاظ على سيادة الوطن واستقلاله، ولكن لا يظل هذا المبدأ غامضاً مهزوزاً أو شعاراً بلا مضمون، فقد حدد الميثاق الوطني في مجال الممارسة الفعلية لهذا المبدأ أهم الضمانات اللازمة لتحقيق مدلوله على أرض الواقع وهي:
أولاً: في مجال الاستقلال الاقتصادي نص الميثاق الوطني على أن:
"الولاء الوطني ممارسةً وعملاً يحـتّم على الدولة والشعب الاعتماد على النفس"؛ ومن الواضح أن الاعتماد على النفس ليس مقصوراً على جانب واحد بعينه بل يعني أيضاً إضافة إلى الاستقلال الاقتصادي والفكري والسياسي الاعتماد على الذات، وهذا لا يتأتى إلا بالعمل على تنمية الموارد الاقتصادية المحلية وتطويرها، والحفاظ على الأموال العامة من العبث والتلاعب، وتطبيق العقوبات الصارمة على المخالفين، مع إيجاد الحوافز المادية والمعنوية لدفع عملية التنافس الشريف بين العمال والموظفين بغية تحسين زيادة الإنتاج؛ إضافةً لمضاعفة الجهود لاستغلال الثروات الطبيعية المختلفة، والعمل أيضاً على تطوير الثروات الزراعية والحيوانية والسمكية، والتركيز على تطوير السياحة..
وبذلك يمكننا الحصول على فرص أفضل لتحقيق الاكتفاء الذاتي كضمان من ضمانات الحفاظ على سيادة الوطن واستقلاله، وتجنب الارتهان إلى أي قوة خارجية أياً كانت، وذلك تنفيذاً أو تطبيقاً لمبدأ الاعتماد على الذات، إذ طالما ونحن نلبس مما لا نصنع ونأكل مما لا نزرع فستظل هذه الضمانة غير كافية لترسيخ وتأصيل مفهوم الولاء الوطني وتحقيق مبدأ الحفاظ على سيادة واستقلال الوطن..
أما ما تضمنه المعيار الأول في مجال سياسية الحكم، فقد نص الميثاق على ضرورة "أن يكون الحكم ديمقراطياً، نابعاً من عقيدة الشعب المعبّرة عن إرادته ومحض اختياره"..
والحكم الديمقراطي يعني الكثير من الدلالات والمضامين والمواقف والممارسات والتحولات الجذرية في المفاهيم والأساليب والتصورات وقد تحقق -والحمد الله- الكثير من مضامين الميثاق الوطني في مجال نظام الحكم، وسنتحدث عن ذلك في المكان المناسب ولو بإيجاز إن شاء الله.. وما تحقق في ذلك تأصيل وتعزيز دور المؤسسات الدستورية الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية)؛ وأصبح الحكم نيابياً حيث يختار الشعب ممثلين إلى البرلمان..
- تحقق مبدأ حق الشعب في اختيار رئيس الدولة ومن يمثّله بكامل إرادته وحريته- تأصيل حقه في الممارسات السياسية والرقابة الشعبية على مؤسسات الدولة التنفيذية وذلك من خلال اختيار من يمثّله في البرلمان والمجالس المحلية وفقاً لمفهوم نصوص الدستور، كترجمة حقيقية لمبادئ الميثاق الوطني..
وباختصار فإن الحكم الديمقراطي في بلادنا اليوم قد أعاد صياغة النفوس والعقول صياغة ناضجة وفقاً لما جاء به الميثاق الوطني، فلا غموض في الحقوق ولا تهاون في الواجبات، ولا أنانية في العلاقات.



*عضو اللجنة العامة للمؤتمر - عضو مجلس النواب - الوزير الأسبق لشئون مجلسي النواب والشورى
تمت طباعة الخبر في: الأربعاء, 21-أكتوبر-2026 الساعة: 11:35 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.almethaq.net/news/news-69015.htm