محمد ناجي الشعثمي - لم يكد البيان الأول لثورة 26 سبتمبر 1962م يتردد صداه في أرجاء اليمن محطماً أسوار العزلة والكهنوت الإمامي، حتى واجهت الثورة الفتية موقفاً إقليمياً مناهضاً تقوده المملكة العربية السعودية، التي رأت في إعلان الجمهورية في جنوب الجزيرة العربية تهديداً استراتيجياً وبنيوياً لنظامها السياسي ومجالها الحيوي، ولم يقتصر هذا الموقف المناهض على التحفظ الدبلوماسي أو التوجس السياسي، بل تجسد عملياً في تدخل مباشر وشامل تمثل في فتح حدودها الشمالية (نجران وجيزان) كقواعد خلفية لإدارة العمليات العسكرية، وضخ أموال هائلة، وتزويد فلول النظام الإمامي وأتباعه بالسلاح والمؤن، فضلاً عن الاستعانة بالمرتزقة الأجانب وتوظيف النفوذ الدبلوماسي لحشد الدعم الدولي والإقليمي لصالح إعادة الإمام المخلوع محمد البدر إلى الحكم.
أدى هذا التدخل المباشر إلى تحويل التحول الوطني من عملية حسم سياسي ومجتمعي سريعة إلى أتون حرب أهلية طاحنة امتدت لثماني سنوات (1962–1970م)، مما ألحق بالبلاد كوارث بنيوية على كافة المستويات، فقد استنزفت الحرب الطويلة الطاقات البشرية والمادية للشعب اليمني، حيث سقط عشرات الآلاف من الضحايا بين قتيل وجريح، وتدمرت البنية التحتية البسيطة التي كان يتطلع اليمنيون لتطويرها، وتعطلت عجلة التنمية والتعليم في مرحلة التأسيس الحرجة، ليجد النظام الجمهوري نفسه مستنزفاً في معارك الدفاع عن وجوده بدلاً من التفرغ لبناء دولة المؤسسات والخدمات، كما أدى الموقف السعودي إلى تدويل الأزمة اليمنية وجعل البلاد ساحة للصراع الإقليمي بالإنابة بين المشروع القومي العربي بقيادة مصر والمعسكر المحافظ، وهو ما استدعى استجابة مصرية بعث بحجم عسكري كبير لحماية الثورة، مما ضاعف من حدة الاستقطاب الدولي في المنطقة وألقى بظلاله حتى على الجاهزية العربية لاحقاً في مواجهة حرب يونيو 1967م.
وعلى الصعيد المجتمعي والسياسي الداخلي، ترك هذا التدخل جراحاً غائرة في جسد الدولة اليمنية الوليدة من خلال اعتماد استراتيجية الضخ المالي السياسي وشراء ولاءات الشيوخ والقبائل، أدت هذه السياسة إلى تقوية النفوذ القبلي على حساب سلطة الدولة المركزية، وتكريس الانقسامات المناطقية والمذهبية، وزرع كوابح هيكلية أمام تحول المجتمع نحو دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وعندما استقرت المعادلة الميدانية وأيقنت القوى الخارجية بعدم إمكانية إعادة النظام الإمامي إلى الوراء، صيغ اتفاق المصالحة الوطنية عام 1970م على أساس فرض معادلة سياسية هشّة؛ حيث اعترفت السعودية بالجمهورية الشطرية شريطة إدماج رموز الملكية والشخصيات القبلية الموالية لها في مفاصل السلطة وهيئات القرار التأسيسية، مما أسس لمرحلة طويلة من ارتهان القرار الوطني وهامشية استقلاليته السياسية والاقتصادية.
وبعد مرور 64 عاماً على اندلاع ثورة 26 سبتمبر، تقدم هذه المحطة التاريخية للمصاعب والتحديات مشاهدة عميقة ودرساً بليغاً للأجيال اليمنية المتعاقبة، أولى هذه المشاهدات هي أن السيادة الوطنية والقرار المستقل هما الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع الوصاية، وأن أي ثورة لا تحمي استقلال قرارها السياسي تظل عرضة للاختراق والتعطيل، وثانيها أن الاستقواء بالخارج على الداخل، أو توظيف التناقضات الإقليمية في الخلافات الوطنية، لا ينتج عنه إلا إطالة أمد الصراعات وتدمير كيان الدولة ورهن مستقبل أجيالها، أما المشاهدة الأكثر حيوية، فتتمثل في أن روح سبتمبر وثوابتها الجمهورية تتجاوز في جوهرها كل محاولات الإجهاض والاحتواء؛ فلئن نجحت التدخلات الخارجية في إعاقة مشروع الدولة المدنية لفترات ممتدة، إلا أن الإرادة اليمنية والوعي المتجدد بضرورة البناء المؤسسي والتحرر من كافة أشكال التبعية يظلان المحرك الأساسي لاستكمال مسيرة سبتمبر وتصحيح مسارها نحو مستقبل يليق بتضحيات شعبها.
|