
|
|
| |
|
د. عبدالعزيز محمد الشعيبي - تُطل علينا هذه الأيام من سبتمبر عام 2026م الذكرى الـ64 لثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، وهي مناسبة وطنية لا تُختزل في استعادة حدث تاريخي مضى، ولا في ترديد شعارات اعتدنا سماعها، بل تمثل لحظة متجددة للتأمل في معنى الثورة، وفي الطريق الذي قطعه اليمنيون من التمزق السياسي والاجتماعي إلى استعادة وحدتهم الوطنية في الثاني والعشرين من مايو 1990م.
لقد كانت ثورة سبتمبر تعبيراً عن توق اليمنيين إلى الحرية والكرامة والمواطنة، وعن رغبتهم في بناء دولة حديثة تقوم على النظام الجمهوري، وتفتح أبواب التعليم والعمل والمشاركة أمام أبناء الشعب، ولم تكن هذه الثورة منفصلة عن امتدادها الوطني في جنوب اليمن؛ فقد جاءت ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م لتؤكد أن اليمن، رغم انقسامه إلى شطرين واختلاف الظروف السياسية التي عاشها، ظل يحمل في وعي أبنائه معنى واحداً ووطناً واحداً وتاريخاً مشتركاً.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بالعيد الرابع والستين لثورة سبتمبر هو احتفاء بفكرة التحرر، وبحق اليمنيين في بناء دولتهم، وبالمشروع الوطني الذي جمع بين أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر، وفي مقدمتها تحقيق الوحدة اليمنية؛ كما أن هذه الذكرى تضع أمامنا مسؤولية أخلاقية وتاريخية تتمثل في حماية الوحدة من التعصب والصراع، وتحويلها من شعار سياسي إلى واقع مؤسسي واجتماعي يضمن العدالة والمواطنة وقبول التنوع.
أولاً: اليمن قبل الثورة بين الانقسام وإرادة التحرر
عاش اليمن قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر مرحلة اتسمت بانقسام سياسي عميق؛ ففي الشمال أقامت الإمامة نظاماً سياسياً واجتماعياً مغلقاً حدّ من فرص التحديث والمشاركة العامة، بينما خضع جنوب اليمن لنفوذ الاستعمار البريطاني الذي رسخ التجزئة السياسية، وأقام علاقاته مع عدد من السلطنات والإمارات على نحو أضعف فكرة الدولة اليمنية الجامعة.
لم يكن الانقسام بين الشمال والجنوب مجرد خط سياسي على الخريطة، بل كان نتيجة ظروف تاريخية متراكمة، فقد أسهمت الإمامة في عزل شمال اليمن عن التحولات التي شهدها العالم العربي، كما أسهم الاستعمار البريطاني في الجنوب في تكريس التجزئة وإبقاء عدن ومحيطها ضمن منظومة استعمارية تخدم مصالحه، وبين هذا الطرف وذاك، ظل الشعب اليمني يحمل ذاكرة تاريخية تؤكد وحدة الأرض والإنسان والثقافة.
كانت فكرة الوحدة، مع ذلك، حاضرة في الوجدان الوطني، فقد أدرك اليمنيون أن الانقسام يضعف قدرتهم على مقاومة التخلف والتدخل الخارجي، وأن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يكتمل في ظل التجزئة؛ لذلك أصبحت الوحدة هدفاً يتجاوز اختلاف التيارات السياسية والاتجاهات الفكرية، وتحوّلت إلى قاسم مشترك بين الحركة الوطنية في الشمال والجنوب.
ولم تكن حياة اليمنيين آنذاك خالية من الصراعات الداخلية، فقد شهدت العلاقات بين شطري اليمن توترات ومواجهات مسلحة، كان من أبرزها ما وقع عام 1972م ثم عام 1979م. وتكشف هذه الأحداث عن صعوبة الطريق الذي كان على اليمنيين أن يقطعوه نحو الوحدة، كما تكشف في الوقت نفسه أن النزاع لم يلغِ حقيقة الترابط بين الشعبين، ولم يستطع أن يمحو مطلب الوحدة من الخطاب السياسي ومن الوعي الشعبي.
إن قراءة تلك المرحلة ينبغي أن تتم بوعي تاريخي لا يبرر الاقتتال، ولا يحوّل الخلافات السياسية إلى عداوات دائمة، فالتاريخ يعلمنا أن الدول والمجتمعات قد تختلف في أنظمتها ومواقفها، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يصبح سبباً لهدم الروابط الوطنية، كما يعلمنا أن تأخير الوحدة لا يعني موت فكرتها، وأن المشاريع الوطنية الكبرى قد تمر بمراحل طويلة من التفاوض والتعثر قبل أن تجد طريقها إلى التحقق.
ثانياً: ثورة 26 سبتمبر والتحول الجمهوري
في السادس والعشرين من سبتمبر 1962م اندلعت الثورة في شمال اليمن ضد الحكم الإمامي، وأعلنت قيام الجمهورية العربية اليمنية، وقد مثّلت الثورة انتقالاً تاريخياً من نظام مغلق إلى مشروع جمهوري يرفع مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، ويؤكد أن الشعب هو مصدر الشرعية السياسية.
لم تكن الثورة حدثاً عسكرياً فحسب، بل كانت استجابة لتراكم طويل من الوعي الوطني، فقد شارك في مقدماتها وبعدها ضباط ومثقفون وشيوخ قبائل وطلاب وقطاعات شعبية مختلفة، جمعتهم الرغبة في إنهاء الاستبداد وبناء دولة تتسع لجميع أبنائها، وعلى الرغم من أن الطريق لم يكن سهلًا، وأن البلاد دخلت بعد الثورة في صراع طويل، فإن الثورة غيّرت طبيعة السؤال السياسي في اليمن، فلم يعد السؤال متعلقاً ببقاء نظام بعينه، بل أصبح متعلقاً بنوع الدولة التي يريدها اليمنيون وبالمستقبل الذي يطمحون إليه.
وقد فتحت الثورة أبواباً واسعة أمام التعليم والإدارة الحديثة والتواصل مع المحيط العربي والعالم، كما عززت حضور فكرة الجمهورية بوصفها إطاراً سياسياً يقوم على المسؤولية العامة، لا على الحق الوراثي أو الامتياز المغلق، وبذلك أصبحت ثورة سبتمبر نقطة تحول في تاريخ اليمن الحديث، حتى إن إنجازاتها لم تكتمل دفعة واحدة، بل تواصلت عبر مراحل وتحديات مختلفة.
وكان من أبرز المعاني التي حملتها الثورة أنها جعلت قضية الوحدة جزءاً من المشروع الجمهوري، فالجمهورية لم تُقدَّم باعتبارها مشروعاً خاصاً بالشمال، بل باعتبارها خطوة على طريق تحرير اليمن كله من الاستبداد والاستعمار والتجزئة، ولهذا ظل خطاب الثورة مرتبطاً بفكرة اليمن الواحد، وظلت الوحدة هدفاً يكتسب منه النظام الجمهوري جانباً مهماً من شرعيته الوطنية.
ثالثاً: ثورة 14 أكتوبر امتداد للمشروع الوطني
بعد عام واحد من ثورة سبتمبر، اندلعت ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م في جنوب اليمن ضد الاستعمار البريطاني، وقد عبّرت هذه الثورة عن إرادة أبناء الجنوب في التحرر والاستقلال واستعادة القرار الوطني، وكانت ثورة أكتوبر امتداداً طبيعياٍ للموجة الوطنية التي أطلقتها ثورة سبتمبر، لا من حيث التوقيت فحسب، بل من حيث الهدف العام المتمثل في تحرير الإنسان اليمني وبناء دولة وطنية مستقلة.
لقد واجه المناضلون في الجنوب الاستعمار البريطاني، وقدموا تضحيات كبيرة من أجل الاستقلال، ولم يكن نضالهم منفصلاً عن نضال إخوانهم في الشمال؛ فقد كان الطرفان ينتميان إلى قضية وطنية واحدة، حتى عندما اختلفت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية بينهما، وعندما نال جنوب اليمن استقلاله في الثلاثين من نوفمبر 1967م، كان ذلك انتصاراً لإرادة شعبية أسهمت في إعادة الاعتبار لفكرة اليمن المستقل صاحب القرار.
إن العلاقة بين ثورتي سبتمبر وأكتوبر ليست علاقة تشابه كامل في الوسائل أو في البنى السياسية التي نشأت بعدهما، فقد ظهرت في كل شطر تجارب سياسية مختلفة، وتطورت رؤى متباينة بشأن الاقتصاد والدولة والمجتمع والعلاقات الخارجية، لكن الاختلاف في التجربة السياسية لم يلغِ وحدة القضية الوطنية، فقد ظل التحرر من الاستبداد والاستعمار، وبناء الدولة، وتحقيق الوحدة، أهدافاً حاضرة في الوعي السياسي اليمني بدرجات مختلفة.
وهنا تبرز قيمة الدرس التاريخي: يمكن لقضية وطنية واحدة أن تستوعب تجارب سياسية متعددة، بشرط ألا تتحول التعددية إلى إلغاء، وألا يتحول الاختلاف إلى تخوين، فالوطن لا يطلب من أبنائه أن يكونوا نسخة واحدة، بل يطلب منهم أن يتفقوا على المبادئ الكبرى التي تحفظ وجوده وتصون كرامة مواطنيه.
رابعاً: من اختلاف النظامين إلى طريق الوحدة
بعد قيام النظامين السياسيين في الشمال والجنوب، استمر الاختلاف بينهما في طبيعة الحكم والبرامج الاقتصادية والاجتماعية والتحالفات السياسية، ومع ذلك، ظل هدف الوحدة حاضراً في الوثائق والخطابات والبرامج الوطنية، وكانت لجان الوحدة واللقاءات الرسمية والشعبية تعمل، بدرجات متفاوتة، على تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الوحدة.
لم يكن هذا الطريق مستقيماً فقد أظهرت مواجهتا عامي 1972م و1979م أن غياب التفاهم السياسي يمكن أن يحول الاختلاف إلى صراع مسلح، كما أثبتت التجربة أن الوحدة لا تتحقق بالأمنيات وحدها، ولا يمكن أن تُبنى على تجاهل المخاوف المتبادلة أو على فرض نموذج واحد على الجميع، ولذلك احتاج اليمنيون إلى سنوات من الحوار والاتفاقات والاتصالات، وإلى إدراك متزايد بأن استمرار الانقسام أكثر كلفة من التنازل المتبادل من أجل مشروع وطني جامع.
ومن الجوانب المهمة في مسار الوحدة أن الفكرة لم تكن حكراً على قيادة سياسية بعينها، فقد ظلت حاضرة في وجدان المواطنين، وفي الحركة الوطنية، وفي الأدبيات السياسية، وفي العلاقات الاجتماعية الممتدة بين مناطق اليمن المختلفة، وكانت صلات القربى والتجارة والهجرة والثقافة تؤكد أن الحدود السياسية لم تستطع أن تقطع التواصل بين أبناء البلد الواحد.
إن الوحدة التي تحققت في الثاني والعشرين من مايو 1990م لم تكن حادثاً عابراً، بل كانت نتيجة تراكم طويل من التضحيات والحوارات والتجارب، لقد اجتمعت إرادة سياسية، ووعي شعبي، وضرورات تاريخية، لتعلن قيام الجمهورية اليمنية، وكان ذلك اليوم تتويجاً لأهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر، ودليلاً على أن القضايا الوطنية الكبرى تحتاج إلى صبر طويل وإرادة تتجاوز الحسابات الضيقة.
خامساً: التنوع وقبول الاختلاف من دروس الثورة
علمتنا الثورة أن حياة الشعوب لا تتقدم بالجمود، وأن المجتمع الذي يرفض الاختلاف يفقد قدرته على التجدد، فاليمنيون، مثل سائر البشر، متنوعون في مناطقهم ولهجاتهم وعاداتهم وتجاربهم السياسية والاجتماعية، وهذا التنوع ليس عيباً ينبغي محوه، بل هو ثراء يمكن أن يوسّع مجال الإبداع ويقوي النسيج الوطني إذا أُدير بالحكمة والعدل.
ويؤكد القرآن الكريم أن الاختلاف والتنوع من سنن الخلق، قال تعالى: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"، كما قال سبحانه: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، ولا يعني هذا أن الاختلاف يبرر الصراع، بل يعني أن التعارف والتعاون والعدل الطريق الصحيح للتعامل معه.
إن قبول الاختلاف لا يعني قبول الظلم أو الفساد أو الاعتداء على حقوق الآخرين، فهناك فرق بين التنوع المشروع وبين تحويل الانتماء المناطقي أو المذهبي أو الحزبي إلى وسيلة للهيمنة والإقصاء، التعددية التي تخدم الوطن هي التي تسمح بتعدد الآراء في إطار القانون، وتحمي حق المواطن في التعبير والمشاركة، وتمنع استخدام السلاح لفرض الرأي.
وفي الحالة اليمنية، يصبح هذا الدرس أكثر أهمية بسبب تعدد المناطق والتقاليد السياسية والاجتماعية، فصنعاء وعدن وتعز وحضرموت والحديدة وإب وصعدة وشبوة ومأرب والمهرة وسائر المحافظات ليست جزراً منفصلة، بل مكونات متكاملة في وطن واحد، ولكل منطقة إسهامها في التاريخ والثقافة والاقتصاد والنضال الوطني، ولا يجوز أن تتحول خصوصية أي منطقة إلى ذريعة للانفصال الاجتماعي، كما لا يجوز أن تتحول الوحدة إلى ذريعة لإلغاء خصوصيات المناطق أو الانتقاص من حقوقها.
إن الدولة الوطنية العادلة هي الإطار الذي يحول التنوع إلى قوة؛ فهي تساوي بين المواطنين أمام القانون، وتوزع فرص التنمية على أساس الحاجة والكفاءة، وتحمي الحريات العامة، وتفتح المجال أمام مشاركة الشباب والنساء والمكونات الاجتماعية المختلفة، وعندما تقوم الدولة بهذه الوظائف، يصبح الانتماء الوطني أوسع من الانتماءات الجزئية، ويصبح الاختلاف مصدراً للتكامل لا سبباً للعداء.
سادساً: ماذا تعني ذكرى سبتمبر للأجيال الجديدة؟
لا ينبغي أن تبقى ذكرى سبتمبر في حدود الاحتفالات المدرسية والبيانات الرسمية، فالأجيال الجديدة تحتاج إلى أن تفهم الثورة بوصفها مشروعاً مستمراً لبناء الإنسان والدولة، ويشمل ذلك حماية التعليم، وتطوير الاقتصاد، وترسيخ سيادة القانون، ومواجهة الفقر والجهل، ونشر ثقافة الحوار، وصون كرامة المواطن.
إن أكبر وفاء للشهداء والمناضلين ليس في تكرار أسمائهم فقط، بل في الالتزام بالمبادئ التي ضحوا من أجلها، ومن أهم هذه المبادئ أن اليمن ملك لجميع أبنائه، وأن السلطة وسيلة لخدمة الناس لا امتيازاً دائماً، وأن الخلاف السياسي ينبغي أن يُدار بالحوار والمؤسسات، وأن السلاح لا يمكن أن يكون بديلاً عن الشرعية أو القانون.
كما أن على الأجيال الجديدة أن تتعلم من التجارب المؤلمة التي مر بها اليمن، فالصراع الداخلي يستهلك طاقة المجتمع، ويؤخر التنمية، ويعمق الفقر، ويفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، أما المصالحة الوطنية، فإنها لا تعني نسيان الماضي أو إسقاط الحقوق، بل تعني معالجته بالإنصاف والقانون، ومنع تكرار الأخطاء، وبناء ضمانات تمنح الجميع شعوراً بالأمان والانتماء.
ويحتاج اليمن اليوم إلى خطاب وطني جديد يجمع بين الاعتزاز بالثورة والقدرة على نقد التجربة، فالتاريخ الذي لا يسمح بالنقد يتحول إلى أداة للدعاية، بينما التاريخ الذي يُقرأ بصدق يصبح مصدراً للتعلم، ومن حق اليمنيين أن يعتزوا بثورتهم، ومن واجبهم في الوقت نفسه أن يسألوا: كيف نحقق أهدافها في واقعنا؟ وكيف نجعل الجمهورية دولة مؤسسات؟ وكيف نحمي الوحدة بالعدل والشراكة؟ وكيف نمنع اختلافاتنا من العودة إلى الاقتتال؟
|

| |
|
|
|
|
|
|
|
تعليق |
إرسل الخبر |
إطبع الخبر |
معجب بهذا الخبر |
انشر في فيسبوك |
انشر في تويتر |
|
|
|
|
|