زعفران علي المهنأ* - في زمن تتساقط فيه الثوابت أمام أول ريح، اخترنا نحن أن نكون الجذور لا الأوراق، أن نكون الثبات لا العبور، أن نكون الحكاية التي لا تنتهي رغم كل ما كتب لها من نهايات..
منذ عام 2017م وحتى هذه اللحظة، لم تكن السنوات مجرد أرقام تتوالى، بل كانت أعواماً مكثفة من الاختبار، كأن كل عام منها يحمل في طياته عقداً كاملاً من الوجع والصبر، من الدموع التي لا ترى، ومن الثبات الذي لا يعلن، ومن الوفاء الذي لا ينتظر مقابلاً..
عشر سنوات لم تكن طريقا معبدا، بل كانت مسارا محفوفا بكل أشكال التحدي.. إغلاق منافذ، تضييق مساحات، حروب متعددة الوجوه، وأجندة حاولت ان تعيد تشكيل الوعي اليمني بعيدا عن جذوره ، ومع ذلك ظل القطاع النسوي في حزب المؤتمر الشعبي العام واقفا، لا يرفع صوته بالضجيج، بل يثبت حضوره بالفعل، لا يبالغ، ولا ينجر إلى المهاترات، بل يحفظ توازنه كمن يعرف تماما لماذا يقف وأين يتجه..
لم يكن دورنا يوما على الهامش ، ولم يكن حضورنا ترفا سياسيا.. كنا في قلب المشهد، ننسج بصمت شبكة من التواصل مع كل القطاعات، نحافظ على الخيط الرفيع الذي يمنع الانزلاق نحو الطائفية أو المذهبية أو تفكيك النسيج المجتمعي ، ونحرس الفكرة التي تقول: إن اليمن أكبر من كل محاولات التفتيت.
في هذا العقد، غادر البعض، وهذا حقهم الذي لا ينازعهم فيه أحد.. لكل إنسان خياره، ولكل طريق نهايته التي يختارها .
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن من بقي لم يكن أقل شجاعة، بل ربما كان أكثر صبرا.. فالبقاء في زمن الانكسارات ليس سهلا، والاستمرار في حمل الفكرة وسط كل هذا الثقل هو الاختبار الحقيقي للانتماء.
لم ننشغل بمن غادر بقدر ما انشغلنا بما يجب أن يبقى.. لم نقارن أنفسنا بمن اختار طريقا آخر، بل قسنا انفسنا بقدرتنا على الاستمرار دون أن ننكسر، على العطاء دون أن ننتظر تصفيقا، وعلى تمثيل هذا القطاع بما يليق بتاريخه لا بما يفرضه الواقع..
دققنا أبواب السنوات العشر وهي أصبحت كافية لنقول: إن العمل الهادئ يمكنه أن يصنع أثرا أعمق من كل الضجيج، وان الوفاء لا يحتاج إلى شعارات عالية، بل الى مواقف ثابتة..
كنا نتحرك بوعي المرحلة، لا بردة فعلها، نقرأ المشهد بتعقيداته، ونختار دائما المسار الذي يحفظ للحزب تماسكه وللقطاع النسوي حضوره المتزن..
هذا العقد، بكل ما فيه، لم يكن مجرد مرحلة زمنية، بل كان اختبارا حقيقيا لمعنى الانتماء.. تحولنا فيه من مجرد تمثيل تنظيمي إلى حالة صمود، ومن حضور إداري إلى رسالة تقول للعالم: إن المرأة اليمنية ليست مجرد رقم في معادلة، بل هي ركيزة من ركائز الثبات..
نعم، كان الوجع كبيرا، وكانت الدموع حاضرة، لكن كان هناك أيضا شيء أكبر من كل ذلك.. كان هناك إيمان بأننا نصنع شيئا سيبقى، بأننا نحفظ جزءا من تاريخ هذا البلد، وأننا، رغم كل شيء، لم نكن على هامش الحكاية، بل في قلبها..
اليوم، ونحن ننظر إلى هذه السنوات، لا نراها مجرد ماضٍ، بل نراها شهادة..
شهادة على أن الصبر يمكن إن يتحول إلى قوة، وأن الصمود يمكن أن يصبح لغة، وأن قرابة العشر سنوات في زمن كهذا قد تعادل قرناً كاملا في معناه وأثره..
وهنا، لا نكتب نهاية، بل نفتح فصلا جديدا.. لأن الحكايات التي تكتب بالثبات لا تنتهي.
ويظل القطاع النسائي بكل عضواته وقواعده الثابتة وجهاً وطنياً ثابتاً له كل التقدير والاحترام.
*رئيس دائرة الأنشطة النسوية لقطاع المرأة بالمؤتمر الشعبي العام
|