توفيق عثمان الشرعبي - لا يمكن قراءة افتتاحية صحيفة " الميثاق " التي كتبها رئيس المؤتمر الشعبي العام الأخ صادق بن أمين أبوراس، بمناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر، بوصفها مجرد كلمة احتفائية تستعيد تاريخ تنظيم سياسي امتدت مسيرته لأكثر من أربعة عقود..
فالافتتاحية، في جوهرها، تقدم قراءة للتجربة الوطنية والسياسية، وتنطلق من الماضي لفهم الحاضر، وصولاً إلى رسم ملامح الطريق الذي ينبغي أن تسلكه القوى الوطنية في مواجهة التحديات التي يمر بها اليمن..
ففي البدء يحرص أبوراس على إعادة المؤتمر إلى لحظة ميلاده الأولى في الـ24 من أغسطس 1982م، لا باعتباره تنظيماً سياسياً ظهر في فراغ، بل باعتباره ثمرة حوار وطني واسع شاركت فيه مختلف القوى والاتجاهات السياسية والفكرية والاجتماعية.. وهذه العودة إلى البدايات ليست مجرد استدعاء تاريخي، وإنما تحمل دلالة سياسية واضحة..
فالمؤتمر، كما تصفه الافتتاحية، نشأ من فكرة اللقاء بين المختلفين، والبحث عن مساحة مشتركة تتجاوز الصراعات والأيديولوجيات الضيقة..
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الافتتاحية بأن الحوار الذي كان أساساً للتأسيس، لا يزال حاجة وطنية ملحة في الحاضر.. وإذا كان اليمنيون قد تمكنوا في مرحلة من تاريخهم من الاجتماع، رغم اختلاف توجهاتهم ومشاربهم، لصياغة مشروع وطني جامع، فإن المرحلة الراهنة تستدعي استعادة تلك الروح، لا البقاء أسرى للانقسامات والخصومات القديمة..
وفي هذا السياق، يحتل الميثاق الوطني مكانة محورية في رؤية رئيس المؤتمر.. فهو لا يستحضره بأنه وثيقة من وثائق الماضي، بل باعتباره أساساً فكرياً وسياسياً وثقافياً تمكن من جمع القوى الوطنية عند القواسم المشتركة لهوية اليمن الحضارية والدينية والوطنية والإنسانية. ومن هذه الزاوية، تبدو الإشارة إلى الميثاق الوطني رسالة موجهة إلى الحاضر أيضاً رسالة تقول أن ما يجمع اليمنيين أكبر مما يفرقهم، وإن الوطن لا يمكن أن يبنى على احتكار الحقيقة أو إقصاء الآخر، وإنما على البحث عن المشتركات التي تحفظ وحدة المجتمع والدولة.
واللافت في الافتتاحية أنها لا تقدم مسيرة المؤتمر بوصفها تاريخاً مثالياً خالياً من الأخطاء أو العثرات.. فحديث أبوراس عن الإنجازات والتحديات والتراجعات والإخفاقات يمنح النص بعداً واقعياً، ويجعل من الذكرى مناسبة للتأمل والمراجعة والتقييم، لا مجرد احتفال بمرور الأعوام..
وهذه نقطة ذات أهمية خاصة إذ أن التنظيمات السياسية التي تملك القدرة على الاستمرار ليست تلك التي تعيش في أمجاد الماضي، وإنما التي تستطيع أن تنظر إلى تجربتها بعين المراجعة، وأن تميز بين ما ينبغي الحفاظ عليه وما يحتاج إلى تصحيح أو تطوير..
لكن الافتتاحية لا تبقى طويلاً عند حدود الشأن التنظيمي، إذ تنتقل سريعاً من المؤتمر إلى اليمن.. وهذه النقلة هي في الحقيقة جوهر المقال كله؛ فذكرى التأسيس تكتسب معناها، في رؤية أبوراس، من ارتباطها بالقضية الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها الحفاظ على سيادة اليمن ووحدته واستقلاله وكرامة شعبه..
ومن هنا يأتي الحديث عن السنوات الأخيرة وما حملته من عدوان وحصار وتدخلات ومشاريع تهدد وحدة الوطن وتماسكه.. فالافتتاحية ترى أن ما جرى خلال ما يقارب اثني عشر عاماً كشف طبيعة المخاطر التي تستهدف اليمن، وأنه لم يعد هناك مجال للالتباس بالنسبة إلى من يحرص على سيادة الوطن واستقلاله..
وبناءً على ذلك، يطرح رئيس المؤتمر معادلة سياسية واضحة تقوم على مسارين متوازيين: الاصطفاف الوطني في مواجهة التدخل الخارجي، وفتح مسار للحوار والتفاهم بين القوى الوطنية في الداخل..
فلا معنى للوحدة الوطنية في مواجهة الخارج إذا كان الداخل غارقاً في صراعاته، كما لا يمكن للحوار الداخلي أن يؤدي إلى نتائجه إذا ظل اليمن عرضة للتدخلات والوصاية الخارجية..
ولذلك تبدو دعوة أبوراس إلى التفاهم بين القوى الوطنية دعوة مرتبطة بفكرة استقلال القرار اليمني، وإيماناً بقدرة اليمنيين أنفسهم على حل قضاياهم ومشكلاتهم..
وفي الفقرة الأخيرة تبلغ الافتتاحية ذروتها السياسية والفكرية، حين تنتقل إلى دعوة صريحة لمغادرة أحقاد الماضي وضغائنه ومصالحه الشخصية والحزبية.. وهي دعوة تنطوي على قدر كبير من الوضوح؛ لأن ما يمر به اليمن، وما تشهده المنطقة والعالم من تحولات، يفرض إعادة النظر في كثير من الحسابات القديمة..
فالذين يظلون أسرى لصراعات الأمس قد لا يدركون أن العالم من حولهم يتغير، وأن المخاطر الجديدة لا يمكن مواجهتها بالعقلية القديمة..
ومن هنا تأتي الدعوة إلى مغادرة الماضي نحو الحاضر، لا بمعنى التخلي عن الذاكرة الوطنية، بل بمعنى التحرر من الأحقاد التي تعيق بناء المستقبل..
إن القراءة العامة لافتتاحية رئيس المؤتمر تكشف عن ثلاث دوائر مترابطة تتمثل بدائرة الماضي، التي تستعيد لحظة التأسيس والميثاق الوطني والحوار.. ودائرة الحاضر، التي تتوقف أمام التحديات والأزمات وتدعو إلى المراجعة.. ودائرة المستقبل، التي تطرح الاصطفاف الوطني والحوار الداخلي وتجاوز الصراعات بوصفها مداخل لبناء يمن موحد حر ومستقل..
وعليه: فإن أهم ما في هذه الافتتاحية أنها لم تجعل الذكرى الرابعة والأربعين مجرد مناسبة للحديث عن تاريخ المؤتمر الشعبي العام، بل جعلتها فرصة للعودة إلى فلسفة التأسيس نفسها التي تجسدت بالحوار، والشراكة، والبحث عن المشترك الوطني..
وفي زمن تتكاثر فيه التحديات، تبدو الرسالة الأهم التي تحملها الافتتاحية هي أن مستقبل اليمن لن يصنعه استمرار الخصومات، ولا الارتهان للخارج، وإنما قدرة أبنائه وقواه الوطنية على تجاوز الماضي، والتلاقي حول وطن واحد، وسيادة واحدة، ومصلحة عليا تتقدم على كل المصالح..
تلك هي ـ في جوهرها ـ قراءة أبوراس للذكرى الرابعة والأربعين المتمثلة باستعادة للماضي من أجل فهم الحاضر، ومراجعة للحاضر من أجل صناعة مستقبل يليق باليمن وشعبه وتاريخه الحضاري العريق.
|