عبدالملك محمد ثابت البحري * - تمثّل الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس المؤتمر الشعبي العام (24 أغسطس 1982 - 24 أغسطس 2026م) محطة استراتيجية بالغة الأهمية لاستقراء مسيرة تجربة سياسية فكرية يمنية خالصة المنبت والأبعاد.. لقد انبثق هذا التنظيم من عمق المعاناة المجتمعية والظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، ليصيغ معادلة استقرار جديدة تحمل تطلعات الوطن والمواطن على حد سواء، مكرّساً في أدبياته مبدأً راسخاً قوامه المصلحة العليا عبْر شعاره الاستراتيجي: "اليمن أولاً"..
لم يكن إعلان ميلاد المؤتمر الشعبي العام في الرابع والعشرين من أغسطس 1982م مجرد إضافة كمية للأطر الحزبية التقليدية، بل قُدّم كنموذج لتنظيم وطني تحالفي جامع استوعب الخارطة الديموغرافية والاجتماعية لليمن بشتى أطيافها وتوجُّهاتها في الشمال والجنوب.. وقد نجح في صَهْر التباينات البينية عبْر دمْج النخب المثقفة والزعامات القبلية والطبقات العمالية والفلاحية، وكافة الشرائح من الشباب والشيوخ..
جاء تأسيس التنظيم في مرحلة مفصلية ومنعطف تاريخي حَرِج كان يتطلب معالَجة الاختلالات الهيكلية في المنظومة السياسية.. وتَحددت الأهداف التأسيسية حينها في:
توحيد الجبهة الداخلية وجَبْر الانقسامات.
تجاوز الانتماءات الفرعية والولاءات الضيّقة لصالح الهوية الجامعة.
الانتقال نحو بناء "دولة المؤسسات"..
وفي سبيل تحويل الفكرة إلى واقع اعتمد التنظيم منذ الأيام الأولى لتأسيسه وثيقة "الميثاق الوطني" كـعَقْد اجتماعي ومرجعية فكرية وسياسية جامعة حظيت بالتوافق، وارتكزت على أربعة محاور:
الوحدة الوطنية.
النهج الديمقراطي.
العدالة الاجتماعية.
صون الثوابت والمكتسَبات الوطنية..
ومن هذا المنطلَق، أثبتت القراءة التاريخية للأحداث أن المؤتمر لم يكن يوماً أداة لخدمة مصالح أفراد أو نخب ضيّقة، بل كان تجسيداً حقيقياً لـ "مشروع دولة" متكامل الأركان..
على مدى أربعة عقود ونيف من العمل العام، شكَّـل المؤتمر الشعبي العام العَصَب الرئيس للتحولات الكبرى في جغرافيا الجمهورية اليمنية، حيث كان حاضراً ومؤثّراً في كل منعطف استراتيجي عبْر أربعة مسارات أساسية:
• تَميَّز التنظيم بكونه الرافعة والمهندس الأساسي لإنجاز الاتفاق التاريخي لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية المباركة في 22 مايو 1990م دمجاً وتوحيداً..
• أسهم في ترسيخ قواعد التعددية السياسية من خلال الإشراف على إدارة الخَيارات الانتخابية وتكريس مبدأ التداول السلمي للسلطة، في تجربة ديمقراطية شهد بكفاءتها القاصي والداني..
• تلازمت مسيرة التنظيم مع نهضة إنشائية واسعة شملت تشييد الصروح التعليمية من مدارس وجامعات، والمستشفيات، ومد شبكات الطرق الاستراتيجية، وإطلاق مشاريع بنية تحتية حيوية ربطت كامل الجغرافيا اليمنية امتداداً من صعدة إلى المهرة..
• تَموضُع المؤتمر تاريخياً كصمام أمان للمنظومة السياسية، حيث أبدى ثباتاً مسؤولاً بالتمسُّك بخَيارات الحوار الوطني الشامل والحلول السلمية والتفاوضية كوسيلتين وحيدتين لتَجاوُز التحدّيات وحِفْظ كيان الدولة.
|