د. ربيع شاكر المهدي - الاعتراف بالخطأ في السياسة ليس إعلان ضعف بل إعادة امتلاك للقرار قبل أن يمتلك الآخرون ثمن الخطأ..
في الفضاء السياسي لا تُـقاس القوة فقط بحجم المقدّرات التي يمتلكها اللاعب السياسي بل بمدى قدرته على حماية أوراقه الاستراتيجية من التآكل وإدارته الذكية لخطوط رجعته..
فعندما يستمر لاعبٌ ما في ارتكاب الأخطاء فإنه يمنح خصومه المادة الخام الذهبية لصناعة الأزمات؛ فالخصم الذكي لا يصحّح أخطاء منافسه بل يستثمر فيها ويتعهدها بالرعاية وينتظر لحظة تَحوُّلها إلى عبء سياسي وأخلاقي كامل ليقوم بتسييسها واشتراط أثمان باهظة لمعالجتها..
وحين يدرك بعض اللاعبين السياسيين حجم الورطة، وبدلاً من الانكفاء للمراجعة يستمرون في الهروب إلى الأمام مدفوعين بنرجسية السلطة أو خوفاً من الاعتراف بالأخطاء أو الفشل مما يحوّل الهفوة إلى خطيئة والخطيئة إلى كارثة تتضاعف حجمها لاحقاً، وهذا هو العمى الاستراتيجي، وتُصاب بعزلة فكرية تصنعها بطانات التزكية التي تحجب الحقيقة عن صُنَّاع القرار، وفي هذه الحالة يتحول الخطأ من حدث طارئ إلى منهجية عمل، حيث يتم تفسير الفشل على أنه مؤامرة، وتُصبح المكابرة بديلاً عن المرونة..
النقد الذاتي في السياسة ليس إعلاناً للهزيمة بل هو أحد أشكال القوة والبقاء؛ فالدول والكيانات التي تمتلك شجاعة مراجعة أخطائها تستعيد زمام المبادرة قبل أن يتحول الخطأ إلى قيد استراتيجي عليها؛ والاعتراف بالخلل في الوقت المناسب يمنع الخصوم من احتكار تفسير الأزمة وتوظيفها؛ بينما يؤدي إنكار الأخطاء إلى فقدان القدرة على التحكُّـم في مسار الأحداث..
السياسة تُعلّمنا أن النفوذ رصيد حيوي؛ وحين تعجز البنية التحتية لاتخاذ القرار عن التجدُّد فإنها تبدأ في استهلاك كُـرُوتها الذاتية، وهذا النزيف الداخلي يتمثل في محاولات التغطية المستمرة وشراء الولاءات المؤقتة لتغطية العجز، وهو ما يجعل أي كيان ينتهج هذا النهج مكشوفاً بالكامل أمام مجاهر الخصوم..
يمكن فهم تَراكُم الأخطاء السياسية باعتباره اقتصاداً خفياً تنتقل فيه الخسائر من الداخل إلى الخارج؛ فكل خطأ غير مُصحَّح يتحول بمرور الزمن من تكلفة داخلية إلى أصل استراتيجي في ميزان الخصوم؛ فحين تتحول أخطاء الداخل إلى أزمات متراكمة فإنها تصبح ثروة استراتيجية مجانية للخصوم يستثمرونها في بناء روايات وسرديات الضغط وتوسيع هامش المناوَرة، فالخصم لا يحتاج دائماً إلى صناعة أزمة جديدة بل قد يكتفي بإدارة الأزمات التي يصنعها الطرف الآخر بنفسه؛ وهذه هي نظرية الاحتراق المجاني للكروت السياسية حيث لا يخسر اللاعب أوراقه بسبب قوة خصمه فقط بل لأنه يتركها مكشوفةً ومتاحةً حتى يأتي الآخرون فيختارون توقيت استخدامها وتحويلها إلى عبء عليه..
ومع ذلك فإن الخطأ السياسي لا يتحول تلقائياً إلى انتصار للخصم، فالفرص لا تصنع النتائج وحدها وإنما تحتاج إلى طرف يمتلك القدرة على استثمارها؛ فالخصم الذكي لا ينتصر فقط لأن منافسه أخطأ بل لأنه يمتلك رؤية لتحويل الخطأ إلى ورقة تأثير.. لذلك، فإن المعادلة ليست بين خطأ وضعف فقط بل بين خطأ داخلي وقدرة خارجية على التوظيف؛ فقد يخطئ طرف سياسي ويحتوي أزمته بمرونة، بينما يفشل آخر في استثمار أخطاء خصمه رغم كثرتها بسبب ضعف الرؤية أو سوء الإدارة..
ولهذا فإن الخطأ في فقه السياسة الاستراتيجية لا يُقاس فقط بنتيجته المباشرة بل بما يفتحه من مساحات للخصوم.. وعندما تتراكم الأخطاء دون مراجعة أو تصحيح تظهر ثلاث نتائج رئيسية:
- فقدان أوراق الضغط (الكروت): كل كيان أو لاعب سياسي يمتلك مجموعة من الأوراق والروابط الاستراتيجية التي تمنحه الشرعية أو القوة والاستمرار في الخطأ يحوّل هذه الأوراق من أدوات قوة إلى نقاط ضعف مكشوفة..
-الاحتراق المجاني: عندما يمتلك الطرف الآخر كروتك فإنه لن يحرقها دُفْعَةً واحدةً، بل سيختار التوقيت والمكان المناسبين لإشعالها ليظهر بمظهر الحكيم أو المنقذ؛ بينما يتآكل رصيدك أنت وتفقد القدرة على المناوَرة..
- فقدان المبادرة الاستراتيجية: فمع تَراكُم الأخطاء يتنقل الفاعل السياسي من صناعة الأحداث إلى مجرد رد الفعل فيصبح أسيراً لأجندة خصومه بدلاً من أن يكون صانعاً لأجندته..
ومن أبرز الأمثلة الحديثة تجربة الاتحاد السوفييتي في سنواته الأخيرة، إذ لم يكن انهياره نتيجة عامل خارجي واحد بل نتيجة تَراكُمٍ طويلٍ من الاختلالات الاقتصادية والسياسية والإدارية، إضافةً إلى فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.. ومع استمرار تأخُّر الإصلاح وضعف القدرة على التجدُّد تحولت الأزمات الداخلية إلى أوراق ضغط استثمرتها قوى دولية ومنافسون سياسيون حتى أصبح النظام يواجه أزمة ثقة داخلية قبل أن يواجه منافسة خارجية حاسمة؛ وكان الدرس الأبرز أن الدول لا تفقد قوتها فقط عندما يهزمها خصومها بل عندما تفقد القدرة على تصحيح نقاط ضعفها قبل أن تصبح أدوات بيد الآخرين..
في النهاية فإن أخطر ما يواجه أي كيان سياسي ليس كثرة خصومه بل فقدانه القدرة على مراجعة نفسه قبل أن يتحول خصومه إلى مديري أزماته؛ فمَنْ لا يملك شجاعة النقد الذاتي وتصحيح المسار يكتب بيده فصول غيابه عن المشهد ويُسلّم مفاتيح اللعبة للآخرين؛ فحرق الكروت الاستراتيجية ليس حدثاً مفاجئاً بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من غياب المراجعة والتحصين الداخلي وتحويل الأخطاء إلى وقود في معارك الخصوم؛ فالسياسة فن تَجنُّب الأخطاء وتقليل كلفتها وتسريع تصحيحها ومنْع الخصوم من تحويلها إلى رصيد استراتيجي ضد صاحبها؛ فالأخطاء مورد استراتيجي يمكن أن ينتقل من أصحابها إلى الخصوم.. ومن هنا تتجلى أهمية نظرية تصفير المشاكل بوصفها إحدى مُقارَبات بناء الدولة، فكل مشكلة تُصفَّر في وقتها تحرم الخصوم من ورقة ضغط جديدة، وتحافظ على رأس المال السياسي للدولة، وتعيد توجيه الجهد من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص؛ فالدول لا تُهزَم دائماً بقوة خصومها بل كثيراً ما تُهزَم عندما تهمل تصحيح أخطائها في الوقت المناسب.
|