توفيق عثمان الشرعبي - منذ أن خفتت أصوات الطائرات ودوي الصورايخ، لم تدخل اليمن مرحلة السلام، بل أُدخِلت قسْراً إلى منطقة رمادية اسمها (اللاسلم واللاحرب).. وهي الحالة التي لم تكن يوماً تسوية سياسية، وإنما كانت الصيغة الأقل كلفةً لتحالف العدوان الأمريكي السعودي كي يحافظ على أدوات نفوذه، ويستنزف اليمنيين دون أن يتحمل أعباء الحرب المفتوحة أو استحقاقات السلام الحقيقي..!!
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحصار لم يكن مجرد وسيلة ضغط عسكرية، بل مشروعاً سياسياً يهدف إلى إعادة تشكيل الإرادة اليمنية وإخضاع القرار الوطني؛كما أن الاحتلال لم يكن وجوداً عسكرياً عابراً في بعض المحافظات والجزر، بل محاولة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية لليمن بما يخدم المصالح الاستعمارية الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني على حساب سيادة الوطن ووحدته..
ولهذا فإن معركة اليمنيين الأحرار القادمة لاينبغي أن تُـقرأ باعتبارها معركة عسكرية فحسب، وإنما باعتبارها معركة استعادة الدولة والسيادة والقرار الوطني وطرد كل القوات الأجنبية من على كل ذرة من ترابها الطاهر؛ فالدول لا تُـقاس فقط بحدودها، وإنما بقدرتها على امتلاك قرارها بعيداً عن الوصاية والهيمنة..
لقد راهن تحالف العدوان على الزمن بعد أن فشل رهانه على القوة.. كان يعـتقد أن إطالة أمد الأزمة ستُولّد اليأس، وأن الحصار سيُنتِج مجتمعاً منهَكاً يقبل بأي حلول تُفرَض عليه، وأن الانقسامات الداخلية ستتحول مع الوقت إلى واقع دائم؛ غير أن هذا الرهان لم يحقق أهدافه كاملةً، لأن اليمن، رغم كل ما تَـعرَّض له خلال ما يزيد على عشر سنوات لا يزال يمتلك عناصر المقاومة المتنوّعة التي تجعل مشروع الهيمنة مشروعاً مكلّفاً وقابلاً للفشل..
اليوم تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقتٍ مضى.. فلا الحصار أنتج استسلاماً، ولا الاحتلال منح أصحابه استقراراً، ولا سياسة إدارة الأزمة استطاعت صناعة سلام مستديم، بل إن استمرار هذه الحالة الرمادية أصبح عبئاً على الجميع، لكنه يبقى أكثر قسوةً على اليمنيين الذين يدفعون ثمن تعطيل الموانئ والمطارات، واستنزاف الاقتصاد، ونهب الثروات، وتمزيق النسيج الوطني..
ومن هنا.. فإن كَسْر الحصار وطَرْد أي وجود أجنبي غير مشروع لا يمثّلان مطلباً ترفياً، بل قضية وطنية يُفترَض أن تلتقي عندها جميع القوى الوطنية التي تؤمن بسيادة البلاد واستقلال قرارها.. فالاختلافات السياسية مهما بلغت حِدَّتها لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لاستمرار التدخُّل الخارجي أو إلى مبرّر لإدامة واقع ينتقص من سيادة اليمن..
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه اليمنيون اليوم هو الاعتياد على الأزمة والرضى بحالة "اللاسلم واللاحرب"، والتكـيُّف مع الحصار، والتعامل مع الاحتلال بوصفه أمراً واقعاً.. فالأوطان لا تُستعاد بمنطق التكـيُّف مع الخسارة، وإنما بإرادة التحرُّر منها.. وتجارب التاريخ تُـعلّمنا أن الاحتلال قد يطيل بقاءه، لكنه لا يستطيع أن يمنح نفسه شرعية، كما أن الحصار قد يرهق الشعوب، لكنه لا يلغي حقها في كَسْرِه والتخلُّص منه مهما بَـهُظت التكلفة من أجل الحياة الحُرة والكريمة..
وإذا كانت السنوات الماضية قد كشفت حدود القوة العسكرية، فإن المرحلة القادمة ينبغي أن تكون مرحلة بناء موقف وطني جامع، يضع السيادة فوق الحسابات الضيّقة، ويجعل إنهاء الحصار واستعادة كامل الأرض اليمنية هدفاً تتوحد حوله الإرادات الوطنية، لأن المعارك الكبرى لا تُحسَم بالسلاح وحده، وإنما بوحدة الهدف وصلابة الموقف..
لقد آن الأوان للتعبئة العامة الرسمية والشعبية للخروج من دائرة الانتظار؛ فاستمرار "اللاسلم واللاحرب" ليس قَدَراً محتوماً، بل خَياراً صُمّم ليبقى اليمن معلَّقاً بين حرب لا تنتهي وسلام لا يأتي.. وكل يوم يمر في هذه المنطقة الرمادية يمنح مشاريع الهيمنة فرصة جديدة لترسيخ وجودها أكثر وأكثر..!!
إن المعركة القادمة والحاسمة، مهما تَنوعت أدواتها وأسلحتها، ستظل معركة سيادة وطننا أولاً، ومعركة كرامتنا الوطنية ثانياً، ومعركة مستقبل وطننا وشعبنا ثالثاً.. ومَنْ يدرك طبيعة هذه المعركة سيدرك أن كَسْر الحصار وطَرْد الاحتلال ليسا مجرد شعارين سياسيين، بل المَدخل الحقيقي لمعركة الحسم واستعادة اليمن دولته وقراره ومكانته بين الأمم.
|