عبدالسلام الدباء* - هل تعلم أن بعض الأمم بدأت نهضتها من حقول القمح، أو الورش البسيطة، أو المصانع المتواضعة على أطراف المدن الصغيرة؟.. بينما بدأت أمم أخرى رحلة تَراجعها يوم اعتادت أن تمد يدها إلى الخارج لكل شيء؛ لطعامها وملبسها ودوائها وحتى أحلامها.. إنها مفارقة قاسية أن يتحول شعبٌ كامل إلى مستهلكٍ محترف، بينما يتقاعد الإنتاج مبكراً ويغادر بصمت..
أتذكر عندما كنا أطفالاً في إحدى قرى الريف اليمني، كيف كان موسم الحصاد يبدو وكأنه عيدٌ آخر غير الأعياد الرسمية.. وكيف كانت السنابل الخضراء والذهبية تملأ الحقول.. في ذلك الوقت كانت رائحة تراب الأرض الزراعية بعد السقي تحمل شيئاً من الأمل والكبرياء.. ربما حينها لم يكن الناس أغنياء، لكنهم كانوا يشعرون بطمأنينة خاصة؛ طمأنينة مَنْ يأكل من عرق جبينه.. وكان الفلاح يعود متعباً عند الغروب، لكن وجهه يحمل ابتسامة المنتصر الذي انتزع رزقه من الأرض لا من موائد الآخرين..
لقد كان الفيلسوف والأديب العربي جبران خليل جبران من أوائل الداعين إلى تعزيز الاعتماد على الذات والإنتاج الوطني، وتُـنسب إليه العبارة الشهيرة: «ويلٌ لشعبٍ يأكل مما لا يزرع، ويلبس مما لا يصنع».. واليوم، عندما نتأمل هذه الكلمات ونقارنها بواقع مجتمعاتنا، نشعر بأن المشكلة لم تعد اقتصادية فحسب، بل تحولت إلى قضية كرامة وطنية.. فحين يصبح خبزك مرهوناً بمزارع الآخرين، وملابسك رهينة بمصانعهم، وأبسط احتياجاتك معلقة بسفن الشحن القادمة من وراء البحار، فإنك لا تستورد البضائع فقط، بل تستورد معها قدراً من التبعية والارتهان والعجز..
وقد قال الزعيم الهندي المهاتما غاندي يوماً: إن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا حين يستطيع الناس الاعتماد على أنفسهم.. ولم تكن دعوته إلى الغزل اليدوي مجرد حنين رومانسي إلى الماضي، بل كانت إعلاناً اقتصادياً وأخلاقياً ضد الارتهان للآخرين.. فالأمم القوية لا تُـقاس فقط بعدد الأبراج الشاهقة أو حجم الاستهلاك، بل بقدرتها على الإنتاج وصناعة ما تحتاجه.. والمؤلم أن بعضنا يتباهى اليوم بوفرة السلع المستورَدة كما لو أنها إنجاز وطني، بينما تُـهمَل المَزارع المحلية، وتُـغلَق الورش المهنية، وتتراجع الصناعات الوطنية..
ندرك اليوم أننا نعيش في عالم متغيّر، ولذلك عندما نعود للحديث عن ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الإنتاج الوطني، فليس المقصود أننا نطالب بأن تنغلق بلداننا على نفسها أو أن تعادي التجارة الخارجية والانفتاح على بقية دول العالم.. فنحن نعرف أن العالم قد بات أشبه بقرية كونية واحدة، ولكننا في المقابل ندرك أيضاً أن هناك فرقاً كبيراً بين بلدان تتبادل الإنتاج والسلع بندية مع الآخرين وهي واقفة على قدميها، وبلدان أخرى لا تملك من أمرها شيئاً سوى الانتظار لما ينتجه الآخرون لها..
إن الطريق إلى مستقبل أي بلدٍ وأي أمةٍ لا يبدأ من مراكز التسوُّق الاستهلاكية للسلع المستورَدة، بل من حقول الزراعة ومصانع الإنتاج والمعاهد المهنية ومختبرات الابتكار.. ولذلك فإن أولى خطوات المستقبل الأفضل تبدأ حين نعيد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج، وحين يصبح دعم الزراعة والصناعة مشروعاً وطنياً لا مجرد شعار موسمي يتردد في الخطب ثم يختفي..
في بلداننا اليوم، هل لاحظتم تلك الحقول الصامتة التي هُجِرت وهي تنظر إلينا بحزن؟.. وهل رأيتم تلك المصانع المغلَقة وهي تتساءل عن سبب هجرانها؟.. وهل فكرتم للحظة: إذا بقينا نأكل مما لا نزرع، ونلبس مما لا نصنع، فهل سنكتشف يوماً أن أخطر أنواع الفقر ليس في نقص المال فقط، بل في فقداننا القدرة على الاعتماد على أنفسنا في إنتاج كل ما نحتاجه بأيدينا..؟!
وخلاصة القول.. بعد كل ما تَـقدَّم، أن كل بلدٍ لا يملك قراره الاقتصادي والقدرة على تلبية احتياجات شعبه بشكلٍ ذاتي، لا يمكن له أن يكون قادراً على امتلاك قراره السياسي وتحقيق استقلاله الوطني..
فهل نحن واعون؟
* مستشار وزارة الشباب والرياضة
|