موقع المؤتمر نت



موقع مايو نيوز



موقع معهد الميثاق


مع دعوات حوار "يمني-يمني" ينهي حالة الحرب.. إلى أين يقود السياسيون اليمن..؟! - إسقاط طائرة سعودية جديدة - نائب رئيس المؤتمر يعزي في استشهاد الشيخ البارق - ارتفاع عدد ضحايا العدوان على ضوران آنس - نائب وزير الخارجية يوّجه رسائل إلى الدول الإسلامية - لبوزه يهنىء رئيس المؤتمر بالعيد ٦٣ لثورة ١٤ أكتوبر - بن حبتور يهنىء رئيس المؤتمر بالعيد ٦٣ لثورة ١٤ أكتوبر المجيدة - بيان صادر عن المؤتمر الشعبي العام بمناسبة العيد الـ63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة - كتّاب وصحفيون لـ "الميثاق":على الشباب أن يكونوا امتداداً حقيقياً لجيل الثوار الأوائل - لبوزة: ثورة 14 أكتوبر تجسيد لإرادة اليمنيين في التحرر -
مقالات
الميثاق نت -

الأحد, 28-يونيو-2026
توفيق عثمان الشرعبي -
ليست عناوين الشاعر الكبير عبدالله البردوني مجرد لافتات تعريفية تسبق النصوص، بل هي نصوص موازية مكتفية بذاتها تنهض بوظيفة جمالية وفكرية تتجاوز دورها الإجرائي إلى فضاء الرؤية والتأويل.. ومن بين هذه العناوين يظل عنوان ديوانه العاشر (رواغ المصابيح) -الذي صدر عام 1989م- واحداً من أكثر العناوين إثارةً للدهشة والقلق النقدي، لما ينطوي عليه من كثافة رمزية، ولما يفتحه من أسئلة تتصل بالحقيقة والمعرفة والوعي الإنساني في زمن الالتباس..
منذ القراءة الأولى يواجهنا العنوان بمفارقة تبدو وكأنها خَرقٌ لقوانين الأشياء.. فـ"المصباح" في الوجدان الإنساني هو نقيض العتمة، ورمز الكشف و الهداية واليقين.. بينما ينتمي "الرواغ" إلى حقل المواربة والتخفّي والمناورة.. وهنا نجد أنفسنا أمام اصطدام دلالي بين وظيفتين متناقضتين : الإضاءة من جهة، والإخفاء من جهة أخرى.. ولعل سِر جاذبية العنوان يكمن في هذه المفارقة بالذات ؛ إذ لايكتفي الشاعر بتقويض العلاقة التقليدية بين النور والحقيقة، بل يذهب أبعد من ذلك حين يجعل النور نفسه طرفاً في لعبة الإخفاء.. إنه عنوان لا يكتفي بأن يكون عتبة نَصية تفضي إلى الديوان، بل يشي منذ البدء بأن المأساة لم تَـعُد في غياب الضوء، وإنما في خيانته لوظيفته الأصلية..
فالظلام على قسوته، يظل صريحاً في انتمائه إلى العتمة، أما الضوء حين يراوغ فإنه يغدو أكثر خطراً لأنه يتخفى في هيئة الحقيقة ذاتها.. ومن هنا تتحول "المصابيح" من أدوات للإنارة إلى رموز معرفية وحضارية وثقافية؛ إذ يمكن أن تشير إلى النخب، وإلى الخطابات الكبرى، وإلى المؤسسات المنتجة للوعي، وإلى كل ما يُفترض فيه أن يقود الإنسان إلى المعرفة.. غير أن هذه المصابيح في رؤية الشاعر البردوني، لا تبدو وفية لوظيفتها، بل متورطة في إنتاج الالتباس، ومشارِكة في صناعة الضباب الذي يحجب الرؤية.. هكذا ينقلنا العنوان من المجال الحسي إلى المجال الفكري، ومن الصورة المادية إلى الرمز الحضاري..!!؛ فالقضية ليست مصباحاً يضيئ أو ينطفئ، بل حقيقة تتوارى خلف فائض من الأضواء.. وكأن البردوني يلتقط مبكراً مأزق الإنسان الحديث الذي لم يعد يعاني من ندرة المعلومات، بقدر ما يعاني من وفرتها المضللة.. ولم يعد يفتقد الأصوات بقدر ما يعجز عن تمييز الصوت الصادق من بين الضجيج !!
وفي هذا السياق يغدو "الرواغ" فِعلاً حضارياً لا لغوياً فحسب، إذ يعـبّر عن زمنٍ فقدت فيه المفاهيم استقرارها، واختلطت فيه الحدود بين الحقيقة وصورتها، وبين الوعي ووهم الوعي.. إنها اللحظة التي تتحول فيها الشعارات إلى أقنعة، والخطابات إلى متاهات، والمصابيح إلى مرايا خادعة تعكس الأشياء ولا تكشف جوهرها!!
ولعل مايمنح العنوان "رواغ المصابيح" بُـعده الفلسفي العميق أنه لا يصدر عن شاعر مأخوذ باليقين، وإنما عن شاعر جعل من الشك المعرفي أداة للرؤية.. فالبردوني في مجمل تجربته شاعر الأسئلة الكبرى والوعي القَـلِـق، والبصيرة التي لا تستسلم للمظاهر.. لقد ظل طوال مسيرته الشعرية مشغولاً بتفكيك الأقنعة ومطاردة المعنى المختبئ خلف البلاغات الرسمية واليقينيات الجاهزة.. ولذلك يبدو "رواغ المصابيح" خلاصة مكثفة لهذه الرؤية.. رؤية ترى أن أخطر أنواع العمى ليس غياب الضوء، بل حضور الضوء الكاذب!!
ومن اللافت أن هذا العنوان يكتسب دلالة إضافية حين نتذكر أن صاحبه هو عبدالله البردوني الشاعر الكفيف الذي صنع من فقدان البصر نافذة استثنائية للبصيرة.. فالمفارقة هنا تبلغ ذروتها، حيث يبدو الشاعر الذي حُرم من رؤية المصابيح المادية أكثر قدرة من غيره على اكتشاف مراوغتها الرمزية!!، وكأن تجربته الوجودية قد منحته حساسية خاصة تجاه العلاقة الملتبسة بين الرؤية والحقيقة، وبين الضوء والمعنى..
وبالتالي لا يمكن التعامل مع "رواغ المصابيح" بوصفه عنواناً جمالياً فحسب، وإنما بوصفه موقفاً فكرياً من العالم..!!
إنه إعلان شعري عن أزمة الحقيقة في عصر تتكاثر فيه مصادر الضوء وتتناقص فيه القدرة على الرؤية.. وهو في الوقت ذاته احتجاج رمزي على واقع تتسع فيه مساحات الادّعاء، حتى تغدو الأشياء مضاءة من الخارج ومعتمة من الداخل!!
لقد نجح البردوني بكلمتين اثنتين فقط في أن يبني استعارة كبرى لعصر كامل.. عصر لم تعد مشكلته في انطفاء المصابيح، بل في رواغها.. ولم يعد يخشى العتمة بقدر ما يخشى الضوء الذي فقد براءته الأولى.. ومن هنا تنبع فرادة هذا العنوان إذ يتحول إلى نص شعري مكثف، وإلى رؤية نقدية نافذة، وإلى سؤال مفتوح يظل معلَّـقاً فوق واقعنا الثقافي والسياسي والإنساني:
ماذا يبقى للإنسان حين تصبح "المصابيح" نفسها جزءاً من الظلام؟!!
ذلك هو السؤال الذي يتركه البردوني معلَّـقاً في فضاء العنوان، ويظل صداه يتردد طويلاً، ليس في الديوان وحده، بل في وعينا بالعالم من حولنا.
أضف تعليقاً على هذا الخبر
ارسل هذا الخبر
تعليق
إرسل الخبر
إطبع الخبر
معجب بهذا الخبر
انشر في فيسبوك
انشر في تويتر
المزيد من "مقالات"

عناوين أخرى

الافتتاحية
الذكرى 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة عام 1963م
أ. د / عبدالعزيز صالح بن حبتور*

حوارات
جريمة الرئاسة
مقالات
تكامل الجهد الرسمي والمجتمعي ضرورة لا تقبل التأجيل
يحيى نوري

قوة الحقيقة تهزم الإعلام الخبيث
أحمد الزبيري

في الحرب.. تأمين المدنيين أولاً..!!
د. عبدالوهاب الروحاني

14 أكتوبر.. عيد كل اليمنيين
سلوى علي أحمد بالخير*

لا خيار أمام اليمنيين إلا التصالح فيما بينهم
أ‌. د. أحمد قايد الصايدي

14 أكتوبر.. من التحرر من الاستعمار إلى استعادة القرار
د. عبدالعزيز ﺍﻟﺒﻜﻴﺮ

ثورة 14 أكتوبر.. إرادة وطن وشعب لا يُهزم
عبد السلام الدباء*

مَنْ يذبح اليمنيين شريكٌ في جريمة الصمت!
د. يحيى أبو زكريا

شهادة إعلامي سوري : حركة التصحيح والتضامن العربي بين الحمدي وأمين أبو راس
بقلم: فيصل بن أمين أبو راس

تشهد أزمة حادة في المياه .. خمر تستنفد مياهها الجوفية
محمد الدلواني

اليمن في حرب ضروس.. لماذا يغيب الحكماء ؟
علي أحمد مثنى

جميع حقوق النشر محفوظة 2006-2026 لـ(الميثاق نت)