د. ناصر الدحياني - لا أدري لصالح مَنْ يتم تدمير التعليم في المدارس الحكومية التي كانت يوماً ما تقدم تعليماً شعبوياً
ذا جودة عالية.. وكانت هذه المدارس تفتح أبواب المستقبل أمام شريحة كبيرة من أبناء هذا المجتمع الفقير، والغلبان..
صراحةً.. عدتُ إلى البيت وأنا أعيش حالة من الحزن والقهر، بعد أن ذهبتُ للسؤال عن الرسوم الدراسية في بعض المدارس الخاصة، لأنني مضطر لتسجيل أولادي رضوان ومراد في إحدى المدارس الخاصة، بسبب ما وصل إليه التعليم الحكومي من تدمير، وانهيار مؤلم..
وعندما وصلتُ إلى إحدى هذه المدارس وسألتُ عن الرسوم الدراسية؛ قِيلَ لي إن رسوم الطالب الواحد في الصف الثالث الثانوي تبلغ ثلاثمائة وخمسة وأربعين ألف ريال، هذا غير قيمة الزي اثنا عشر ألف.. وقيمة كتب عشرة آلاف، ورسوم حجز مقعد عشرين ألف عن كل طالب..
المهم سيصل مبلغ الرسوم إلى اكثر من سبعمائة ألف ريال.. ونحن من أين لنا هذه المبالغ؟!
هذا طبعاً بمدرسة خاصة متواضعة؛ فما بالكم برسوم بعض المدارس الأخرى الكبيرة المشهورة..؟!
والله إنها أرقام تكسر ظهر المواطن البسيط، وتجعله حائراً بين حق أبنائه في التعليم، وبين واقع معيشي لم يعد يحتمل المزيد من الأعباء..
صراحةً.. يبدو أن بعض أصحاب المدارس الخاصة لم يجدوا مَنْ يضبطهم، ولا مَنْ يراقبهم أو يحاسبهم..
ولهذا أصبحت رسوم الطالب في المرحلة الابتدائية أغلى من رسوم طالب جامعي يدرس الحاسوب أو غيره من التخصصات في جامعة خاصة..
ولذلك أصبح أصحاب هذه المدارس أثرياء بعد أن كانوا فقراء
من عائدات هذه الرسوم، مقابل تقديم تعليم رديئ لا يناسب الرسوم الدراسية المرتفعة التي يلطشها بعض تجار هذه المدارس في وطننا..
أيها القائمون على التعليم في وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي.. أسألكم بالله أن تعيدوا للمدارس الحكومية مجدها وشموخها، وتعيدوا الاعتبار لمدرسة الكويت، ومدرسة جمال عبدالناصر، ومدرسة عمر المختار، ومدرسة ابن ماجد، ومدرسة صلاح الدين، ومدرسة بلقيس، ومدرسة أسماء، وغيرها من المدارس التي كانت يوماً مصنعاً للأجيال، ومنارات للعِـلم، وملاذاً لأبناء الفقراء في هذا الوطن.. فعودة الروح لهذه المدارس سوف يقضي على الكثير من الدكاكين التي تطلق على نفسها مدارس.. وتجني الكثير من المبالغ التي لم يكن يوماً يحلم بها القائمون على هذه المدارس..
فوالله إن من المؤلم أيها الأحباب أن ترى أباً عاجزاً عن شراء زي مدرسي أو توفير مستلزَمات دراسية لأبنائه..
لا لشيء، إلا لأن التعليم الذي كان يوماً حقاً للجميع، أصبح عبئاً ثقيلاً
لا يطيقه إلا القليل..
إن إنقاذ التعليم الحكومي ليس مطـلَـباً لفئة معينة، بل قضية وطن ومستقبل أمة، فالعِـلم لا ينبغي أن يكون حِكراً، ولا امتيازاً للأغنياء وحدهم، بل يجب أن يكون حقاً مكفولاً لكل أبناء الوطن..
ولهذا نناشدكم
من أجل أولادنا، ومن أجل الوطن، ومن أجل الأسر التي لم تعد تملك حتى ثمن الزي المدرسي.. أنْ أعيدوا للمدارس الحكومية روحها قبل أن نفقد جيلاً كاملاً.. وعندها
لن يكون الخاسر الفقراء وحدهم، بل الوطن بأكمله.
|