استطلاع/ قسم التحقيقات - دشَّنت وزارة التربية والتعليم الأسبوع المنصرم العام الدراسي الجديد (1448هـ / 2026م).. وفي التدشين أكد وكيل محافظة صنعاء حميد عاصم، أن هذا التدشين يمثّل انتصاراً للجبهة التربوية في ظل التحدّيات الراهنة..
وكانت الجهات المعنية عقدت اجتماعات موسعة لإقرار آليات بدء الدراسة واستكمال كافة التجهيزات الإدارية والمدرسية لانطلاق العملية التعليمية في مختلف المديريات والمحافظات والتي بدأ الانتظام الفعلي في المدارس بداية هذا الأسبوع..
لكن وسط هذا الضجيج الرسمي وفي كل عام دراسي يتم تدشينه تظل المشكلة الكبري قائمة، بعيدة عن أي معالجات حقيقية ينال من خلالها المعلم حقوقه المشروعة، حيث يرى اغلب المعلمين والتربويين أن كل عام يبدأ لا تلوح أي بارقة أمل في تحسين الوضع المعيشي لهم، وأن لا معالجات حقيقية للآلاف والمعلمين المتطوعين الذين ما يزالون بدون رواتب وتسويات وظيفية، وهو ما انعكس على أدائهم العملي، وجعل الكثير منهم يمتهنون أعمالاً أخرى وتركوا مدارسهم بسبب انقطاع الرواتب، يأتي ذلك وسط مطالبات حكومية للمعلمين بالانتظام في الحضور وتعميمها لِمَنْ يعملون في الميدان بالالتحاق بمعاهد إعداد المعلمين وكذلك الجامعات، تقول إن ذلك يسهم في الارتقاء بأدائهم التعليمي وتحسين مخرجات التعليم التي باتت دون المستوى، كما جاء في إحدى التعميمات، وهو الأمر الذي قُوبِل باستياء كبير، كون هذا الأمر لن يحل المشكلة وأن عودة المعلم الكفء وإعطاءه راتبه سيحل المشكلة، بدلاً من البحث عن حلول ترقيعية أو حتى توظيف جديد من حملة الشهائد الجامعية وهم بالآلاف ينتظرون استيعابهم..
ننسى أهم شيء !!
يقول الخبير التربوي سالم مقبل، إن المعلم يُعد القلب النابض للعملية التعليمية، والمحرّك الرئيس لجميع عناصرها.. فمهما توافرت المناهج المتطورة، والتقنيات الحديثة، والمباني المجهزة، فإن أثرها يبقى محدودًا إذا لم يوجد المعلم القادر على توظيفها بصورة صحيحة داخل الصف.. ومن واقع العمل الميداني والإشراف التربوي، فإن أغلب المشكلات التعليمية التي تظهر لدى الطلاب يمكن إرجاع جزء منها إلى احتياج بعض المعلمين إلى الدعم المهني والتطوير المستمر في جوانب محددة من أدائهم؛ ولهذا فإن الخطط العلاجية للمعلمين لا تهدف إلى محاسبة المعلم أو تَصيُّد أخطائه، بل تهدف إلى مساعدته على النمو المهني وتحسين أدائه ورفع كفاءته بما ينعكس إيجابًا على تعلُّم الطلاب.. ولكن قبل ذلك ماذا عن وضعه المادي، وكيف يمكنه تطوير نفسه وهو بدون راتب.. الأمر صعب جداً، نحن نسمع عن جودة التعليم وتحسين وضع المعلم وتطوير أدائه لكن في المقابل ننسى أهم شيء وهو حقوقه..
اختلالات كبيرة
يقول أحمد جابر -تربوي- في هذا الصدد متسائلاً: لماذا يتم إهمال المؤهلين وإقصاؤهم؟.. وإذا كان توظيف فهنالك الملايين من خريجي الجامعات الأكفاء مهمشون بدون وظائف، أو مؤهلون موظفون بدون رواتب.. فلماذا نذهب للبحث عن خريج ثانوية بحاجة إلى مَنْ يعلّمه، ويُزج به في معهد معلمين سنتين يتخرج ليفشل العملية التعليمية ويزيد الطين بلة ويقبل براتب بخس..
وأضاف جابر متسائلاً: لماذا لا يعالجون فجوة الضعف وتوظيف المؤهلين وإعطاء رواتب للأكفاء الذين تركوا وظائفهم بسبب انقطاع الراتب؟.. حكومتنا دائماً ما تبحث عن حلول في الهواء وتزيد الطين بلة وتعمق الفشل أكثر مما هو عليه، هذا يؤدي إلى تدهور التعليم بل سحقه وإنهائه..
أما الحديث عن عام دراسي جديد فهو أصعب من الذي قبله.. أليس من المفترَض أن يصرفوا نصف راتب على الأقل.. حتى هذه اللحظة لا خبر عن ذلك.. المعلم في أضعف حالاته وهو ما يعكس كماً هائلاً من الاختلالات في البنية التعليمية في اليمن التي من المفترَض أن تصحَّح.. في كل عام دراسي جديد نسمع عن قرارات جديدة ما أنزل الله بها من سلطان، يبقى المعلم فيها خارج الاهتمام.. لا مستقبل ينتظر اليمن بدون أن يجد المعلم اهتماماً من الدولة..
تحدّيات وصعوبات
سناء الواسعي -معلمة- تقول: تتسع دائرة الفقر وتزداد الضغوط الاقتصادية على الناس خصوصاً مَنْ كانوا يعتمدون بصورة كبيرة على المرتبات الحكومية.. الآن نحن نريد تسجيل أبنائنا وأيضاً شراء مستلزمات الدراسة من دفاتر وأقلام وحقائب، ناهيك عن شراء الكتب أيضاً التي تُباع في الأرصفة.. أسعار الكتب التي حددتها الوزاره لا أحد يلتزم بها.. في شملان مثلاً تصل قيمة المنهج إلى 15 ألف ريال في المدارس الخاصة.. وكذلك مطلوب منك زي ورسوم تسجيل وحجز مقعد، كل هذه تكاليف باهظة في المدارس الخاصة إذا كنتَ تفكر مثلاً في تعليم جيد لأطفالك.. أما عن المدارس الحكومية فحدّث ولا حرج، لم نرَ من قبل ولا في أي دولة تقوم الوزارة فيها بتحديد سعر الكتب ويتم المتاجرة بها بهذا الشكل.. الكتب مجانية أصلاً، لكن في بلادنا كل شيء وارد..
استغلال المعلّم
وفي هذا السياق يقول الأستاذ محمد البريهي: في كل عام دراسي جديد يكثر الحديث عن المدارس الأهلية التي تريد معلماً أو معلمة بمقياسها هي، لتتحول عبئاً على منتسبيها لا طوق نجاة لهم كما ظنوا سواءً أكانت نواحي مادية أو تطويرية.. واقع الحال هناك ضنك مثقل بالهموم والالتزامات الأسرية والمادية ما زال متجسدًا، فهناك بؤس مُضاف من خلال استغلال فاضح لحاجات المعلم المطحون بوجع الحاجة، من خلال أجور متدنية وتعامل خارج عن أي أطر تعليمية وإنسانية يقوم بها أصحاب المدارس الخاصة الجشعون الذين لا هَـمّ لهم سوى الربح..
ويشير البريهي إلى أن هذه المدارس (الدكاكين والشقق المفروشة) تعطي أجوراً متدنية وبالتقسيط المريح، ناهيك عن استقطاعات للرواتب تحت مبررات واهية دون أن يكون هناك وازع ديني يردعهم، وبعيدًا عن أي رقابة حكومية أو حقوقية ونقابية يمكنها أن تحد من وطأة هذا الامتهان المستمر لهم.. مؤكداً أن الحاجة المُلحة في أن تُعيد وزارة التربية والتعليم النظر في سياسة التعليم الأهلي في بلادنا، التي يشوبها القُصور، ومعرفة ما مدى جاهزية هذا القطاع لتقديم مستوى تعليمي جيد يكفل حقوق منتسبيه من معلمين وإداريين؛ ففي كل عام نتفاجأ بقرارات جديدة تزيد العبء أكثر على الأسر التي تقوم بتسجيل أبنائها في هذه المدارس، مثل زيادة الرسوم وغيرها..
ويخلص البريهي إلى القول: إنه في الوقت الذي تعمل النظريات التربوية المُعاصرة في مدى قدرتها على الإسهام في بناء الإنسان القادرٍ على التَّـكـيُّف والإبداع، وفي الوقت نفسه القادر على الارتباط بمعايير أخلاقية ومجتمعيّة، يكون واقعنا التعليمي بعيداً هنا في أتون معركة البقاء والخلاص من الفاقة، وإنتاج إنسان متوازن بين الجوانب العقليّة والوجدانية والأخلاقية؛ وفي بناء إنسان وظيفي مُحكوم بمتطلّبات سوق الشغل والاقتصاد، بل وتُعيد تشكيل بنية ذات الإنسان وليس فقط مهاراته..
تطوير.. ولكن !!
الأستاذة حُسْن مجاهد تناقش قضية أخرى وهي تعديل المناهج.. وتقول: إن التغيير في المناهح ضرورة ملحة لأن العِلم والتعليم في تقدم مستمر؛ ومن غير المعقول أن ما يدرس في السابق مناسب تماماً للوقت الحالى وهو عصر الانفجار المعرفي والتقدم التكنولوجي والذكاء الإصطناعي، إذ لا بد من أن تتناسب المناهج مع كل ذلك.. فبالنسبة لمادة التاريخ كان من المفروض أن يتناول كل ما يستفيد منه الطالب في حياته العملية، مثلاً أن يتناول كتاب التاريخ العظماء على مر العصور بصورة مختصَرة وسِر عَظَمتهم، وأيضا الأزمات الاقتصادية التي ضربت العالم وأسبابها وكيف تم الخروج منها؛ وأيضاً المعارك المشهورة وأسباب نجاحها أو فشلها.. ومن الممكن أيضاً دارسة المراحل التي مر بها الذكاء الاصطناعي إلى أن وصل إلى هذا المستوى.. وأيضاً تاريخ الطب بصورة مختصَرة، والهندسة ومختلف العلوم.. وبهذه الطريقة سوف يكتشف الطالب أن أساس أغلب العلوم ترجع إلى المسلمين، وفي نفس الوقت يعرف التطور التاريخي لها ويبني عليها بإنجازاته وإبداعه.. أغلب الموضوعات في التطوير الجديد أقرب إلى التربية الإسلامية وليس إلى التاريخ..
هذا وكانت الوزارة قد أقرت مجموعة من التعديلات على مواد دراسية مثل التاريخ صف ثامن وغيرها من المواد للصفوف الأخرى.
|