د. عبدالوهاب الروحاني - في بلاد الغرب .. يعني بلاد الكفر "والعياذ بالله"، وفي قهوة متواضعة على ناصية جميلة تطل على نهر الدانوب التقيت بصاحبي، الذي جمعتني به زمالة قديمة، وأكواب من القهوة والشاي، فقلت له:
- ألا تتذكر وأنت الصديق والزميل منذ زمن بعيد، أننا كنا نلتقي ونناقش قضايا صغيرة كانت تنقص مدننا ومناطقنا وقرانا؟!
كنا يا صاحبي نناقش قضية افتقار شوارعنا لحدائق وجزر الورود الجانبية، وسلال النفايات المعلقة، ونظام السير، غياب الاندية الرياضية (النموذجية) العامة، المواصلات المنتظمة، كما هي عند هؤلاء النصارى والكفار؟! .. كنا نناقش قلة الامكانيات في المدارس، والمستشفيات، وعدم وجود المسرح الوطني والمكتبة الوطنية؟!
قال صاحبي: بالتأكيد وكيف انسى، كان ذلك عندما كان عندنا دولة.. لقد ضاع كل شيء يا صديقي حتى الأخلاق ضاعت..!!
نعم ضاع كل شيء، ضاعت الدولة، وضاعت المواطنة الصالحة، وغاب روح الانتماء للدولة والوطن عند من يسيطر ويحكم اليوم..
للأسف، اليوم اصبحنا نناقش عناوين مصيرية، ونتساءل:
• هل ستعود الدولة والسيادة التي كانت؟!
• هل سنرى رجال دولة بهم شيء من الاحساس تجاه الوطن والمواطن؟!
• هل ستعود لنا تلك الشوارع الآمنة، التي كنا نشكو من خلوها من الورود والجزر الخضراء؟!
• هل ستعود لنا الكهرباء التي كنا نشكو من انطفاءاتها لساعتين أو ثلاث في اليوم؟!
• هل ستعود لنا الكرامة التي كانت؟!
الزمن تغير يا صاحبي، والناس تغيرت، وأخلاق اكثرهم فسدت .. تُرى إلى أين نحن ماضون؟! للأسف، كلما تقدمنا خطوة إلى الأمام تراجعنا ألف خطوة إلى الخلف؟!
اتدري يا صاحبي لماذا ؟!
إنه برأيي فقدان الهوية، وغياب العقل واستبداله برؤوس مصندقة تحبس الادخنة وتحمل البندقية.. هو غياب المشروع الوطني الجامع يا صاحبي.
والمشروع الوطني الجامع، الذي ندندن حوله دائماً، هو دولة النظام والقانون .. الدولة التي لا يختلف الناس على فكرتها ومنهجها؛ فجوهر المشكلة في مجتمعاتنا هي أن كل من يصل إلى السلطة فرداً أو جماعة، حزباً أو قبيلة.. يصل ولسان حاله يقول "أنا ربكم الأعلى"، و"لا أريكم إلا ما أرى".. !!!
يفرض قناعاته ويُملي خياراته الفردية والخاصة، وهو ما لا يستقيم مع قيم ومتطلبات الحياة المعاصرة؛ ذلك لأن الحكم هو نظام حياة، والدولة هي مسئولية، ومسئولية الدولة تجاه المواطن والمجتمع تكمن في تأمين ابسط اربع مهام:
* الأمن والنظام
* توفير فرص العمل
* التعليم
* الصحة
هذه المهام هي جوهر الدولة إن لم يتمكن القائمون عليها من القيام بها فهم فاشلون ودولتهم فاشلة؛ ذلك لأن حكومة الدولة التي لا تكترث لهموم ومعاناة مواطنيها هي غير جديرة بالبقاء.
يا صاحبي، ليست المشكلة لديّ في من يحكم، ولكن المشكلة هي في كيف يحكم ؟!
|