د. طه حسين الهمداني - تمر الأمم في تاريخها بمحطات صعبة واختبارات قاسية تفرض عليها مراجعة تجاربها واستخلاص الدروس من نجاحاتها وإخفاقاتها.. غير أن الشعوب الحية لا تجعل من الماضي سجناً لأفكارها ولا من خلافاته عائقاً أمام مستقبلها، بل تتعامل معه باعتباره مصدراً للعِبرة والتعلُّم، وتنطلق منه لبناء رؤية للمستقبل تجعلها أكثر قدرة على مواجهة تحدّيات الواقع والبناء..
واليمن اليوم يقف أمام واحدة من التحدّيات التاريخية بعد سنوات طويلة من الصراع والتدهور الذي انعكس على الدولة والمجتمع والاقتصاد وحياة المواطنين.. وقد أفرزت هذه المرحلة كثيراً من الأسئلة والجدل حول الأسباب التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه، وحول المسؤوليات السياسية والوطنية المرتبطة بما جرى خلال السنوات الماضية..
ومع كل تَطوُّر سياسي أو مناسبة وطنية أو حَدَثٍ يتعلق بأحد رموز تلك المرحلة، تتجدد النقاشات والجدل، وتُطرَح الأسئلة ذاتها عن مَنْ هو المسؤول؟.. ومَنْ أخطأ؟.. ومَنْ كان سبباً فيما وصلت إليه البلاد؟.. فتُستحضَر الوقائع وتُعاد قراءة الأحداث، ويقدم كل طرف روايته الخاصة وتفسيره لما حدث..
ورغم أهمية هذه المراجعات في فهم التاريخ واستخلاص العِـبر، إلا أن اليمنيين اليوم بحاجة إلى أن يطرحوا على أنفسهم سؤالاً لا يقل أهميةً، بل قد يكون أكثر إلحاحاً من كل الأسئلة السابقة وهو: كيف يمكن إنقاذ اليمن من الوضع الحالي الذي تعيشه؟
فالإجابة عن هذا السؤال ستربط الحاضر بالمستقبل، وهو السؤال الذي ينبغي أن تتجه إليه جهود الجميع إذا أرادوا الخروج من دائرة الأزمات المتلاحقة إلى أفق بناء الدولة وتحقيق الاستقرار والتنمية؛ لأن هناك من اليمنيين مَنْ يرى أن المسؤولية تقع على القيادة السياسية التي أدارت المرحلة الانتقالية، ومنهم مَنْ يحمّل المسؤولية القوى السياسية التي غلَّبت حساباتها الخاصة على المصلحة الوطنية، ومنهم مَنْ يربط ما حدث بقرارات إعادة هيكلة الجيش والأمن؛ فيما يذهب آخرون إلى تحميل المسؤولية التدخلات الإقليمية والدولية أو الأخطاء والتراكمات التي سبقت تلك المرحلة بسنوات طويلة..
وربما يمتلك كل فريق من الأدلة والشواهد ما يدعم وجهة نظره، غير أن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن الأزمات الوطنية الكبرى لا تنشأ عادةً بسبب قرار واحد أو شخصي أو نتيجة طرف واحد، وإنما تكون نتيجة تراكمات من الأخطاء والصراعات والتقديرات الخاطئة والفرص المهدرة، تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية حتى تصل الدولة إلى لحظة الانهيار..
ولذلك فإن اختزال ما حدث في اليمن في مسؤولية فرد أو جهة بعينها قد يمنح بعض الأطراف شعوراً بالانتصار، لكنه لا يقدّم حلاً للأزمة، ولا يجيب عن التحدّيات التي تواجه اليمنيين اليوم..
لقد مضى أكثر من عَـقْد على اندلاع الأزمة اليمنية بصورتها الحالية؛ وخلال هذه السنوات دفع اليمنيون ثمناً باهظاً للصراع والانقسام.. فقد تراجعت مؤسسات الدولة، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والخدمية، واتسعت دائرة الفقر والبطالة، وتضررت البنية التحتية، وتعمقت الانقسامات السياسية والاجتماعية، وأصبحت معاناة المواطنين هي القاسم المشترَك بين مختلف المناطق والانتماءات..
وفي ظل هذا الواقع، تبرز تساؤلات أكثر أهميةً وإلحاحاً من سؤال المسؤولية: كيف يمكن استعادة الدولة؟.. وكيف يمكن إنهاء حالة الانقسام؟.. وكيف يمكن إعادة بناء المؤسسات وتحقيق الاستقرار والتنمية؟..
لذلك فإن قراءة التاريخ واستخلاص الدروس ضرورة لا غِنى عنها؛ ومراجعة التجارب السابقة واجب وطني حتى لا تتكرر الأخطاء.. لكن الشعوب لا تبني مستقبلها بالبقاء أسيرةً للماضي، وإنما بالاستفادة من دروسه والانطلاق نحو آفاق جديدة..
وليس المطلوب من اليمنيين أن يتفقوا على رواية واحدة لكل ما حدث، فذلك قد يكون أمراً صعباً في ظل تَـعدد الرؤى والتجارب والمواقف، لكن المطلوب أن يتفقوا على مستقبل واحد، وعلى أهداف وطنية جامعة تعلو على الخلافات والصراعات؛فقد يختلف اليمنيون حول تفسير الأحداث، لكنهم يتفقون على ضرورة استعادة الدولة؛وقد يتباينون في تقييم الأشخاص والتجارب السياسية، لكنهم يتفقون على الحاجة إلى الأمن والاستقرار وسيادة القانون..
وقد تتعدد قراءاتهم لأسباب الأزمة، لكنهم يتفقون على ضرورة إنهاء معاناة المواطنين وبناء دولة قادرة على حماية مصالحهم وتحقيق تطلعاتهم..
إن التحدّي الحقيقي الذي يواجه اليمن اليوم ليس إثبات مَنْ كان على حق ومَنْ كان على خطأ، وإنما القدرة على الانتقال من دائرة تَبادل الاتهامات إلى دائرة العمل المشترَك، ومن جدل الماضي إلى صناعة المستقبل؛فالمستقبل لا تبنيه الخصومات السياسية، ولا تصنعه حملات التخوين، ولا يحققه الانشغال الدائم بمعارك الأمس، وإنما تصنعه الإرادة الوطنية والرؤية الواضحة، والقدرة على توحيد الجهود حول مشروع جامع يعيد للدولة حضورها ولمؤسساتها فاعليتها وللمواطن ثقته وأمله..
لقد أثبتت السنوات الماضية أن كلفة الانقسام باهظة على الجميع، وأن الخاسر الأكبر من استمرار الصراعات هو الوطن والمواطن؛ كما أثبتت أن أياً من القوى السياسية لا تستطيع بمفردها أن تبني دولةً أو تصنع استقراراً دائماً أو تحقق نهضة وطنية شاملة..
ولهذا فإن الواجب الوطني اليوم يقتضي الانتقال من سؤال: "من المسئول عما حدث؟، إلى: "كيف ننقذ اليمن مما هو فيه؟"..
فالجواب عن السؤال الأول قد يظل محل جدل طويل، أما الجواب عن السؤال الثاني فهو مسئولية مشترَكة تقع على عاتق الجميع دون استثناء..
إن اليمن بحاجة إلى مشروع وطني جامع للمستقبل أكثر من حاجته إلى معارك جديدة حول الماضي، وإنه بحاجة إلى رؤية إصلاح وتَصالح أكثر من حاجته إلى المزيد من الاستقطاب والانقسام..
فوقائع التاريخ ستظل مجالاً للبحث والنقاش والمراجعة، أما الوطن فلا يحتمل مزيداً من الانتظار.. واليمن اليوم بحاجة إلى مَنْ يبني جسور المستقبل، لا إلى مَنْ يوسّع خنادق الماضي.
|